الذكاء الاصطناعي يسرّع حماية الغابات ورصد الحيوانات.. ومراكز البيانات تثير مخاوف بيئية

واشنطن – إسراء الحرف
في مفارقة تكشف تعقيدات العلاقة بين التكنولوجيا وحماية البيئة، تتجه منظمات دولية معنية بالمناخ والحياة الفطرية إلى توسيع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراقبة الغابات ورصد الحرائق وإحصاء الحيوانات المهددة بالانقراض وتحليل البيانات العلمية، رغم تحذيراتها المتزايدة من الآثار البيئية لمراكز البيانات التي تشغّل هذه التقنيات، وما تستهلكه من كهرباء ومياه وما يرتبط بها من انبعاثات كربونية.
وكشف تقرير نشرته وكالة «رويترز» السبت 7 نوفمبر 2026 أن 15 منظمة دولية كبرى تعمل في مجالات البيئة والحفاظ على الطبيعة والتنمية أكدت استخدامها الذكاء الاصطناعي بدرجات متفاوتة، مع إبداء مخاوف بشأن التكلفة البيئية المتصاعدة للبنية التحتية اللازمة لتشغيله.
وتسلط هذه النتائج الضوء على تحدٍّ جديد أمام المؤسسات البيئية، يتمثل في كيفية الاستفادة من القدرات التقنية المتقدمة لحماية الطبيعة دون الإسهام في تفاقم المشكلات البيئية التي تسعى تلك المؤسسات إلى معالجتها.
الذكاء الاصطناعي يدخل معركة حماية الغابات
تستخدم منظمة «كونسيرفيشن إنترناشونال» المعنية بحماية الطبيعة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل المناطق الساخنة التي ترصدها الأقمار الصناعية، بهدف اكتشاف مؤشرات الحرائق المحتملة في الغابات والمناطق البيئية الحساسة.
وبدأت المنظمة تطبيق هذه التقنيات في مناطق نائية من كمبوديا، حيث تُحلَّل بيانات الأقمار الصناعية وتُرسل تنبيهات شبه فورية إلى فرق حماية الغابات المحلية، بما يساعدها على الاستجابة للمخاطر المحتملة بسرعة أكبر.
وأوضحت مسؤولة الذكاء الاصطناعي في المنظمة، علي سوانسون، أن المؤسسة تدرك وجود تكاليف بيئية لاستخدام هذه التقنيات، لكنها ترى أن تسارع أزمات المناخ والتنوع الحيوي يستدعي الاستفادة من الأدوات التي تمكّن فرق الحماية من العمل بكفاءة أكبر.
ويعكس هذا التوجه تحولًا في أساليب مراقبة البيئة، إذ لم تعد عمليات الرصد تعتمد فقط على الدوريات الميدانية أو مراجعة صور الأقمار الصناعية يدويًا، بل أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل كميات كبيرة من البيانات وتحديد المؤشرات التي تستدعي التدخل البشري.
200 ألف صورة تكشف ثغرات في إحصاء الحيوانات
وفي كينيا، تقدم منظمة «أنقذوا الأفيال» نموذجًا لافتًا لاستخدام التعلم الآلي في دراسة أعداد الحيوانات البرية ومتابعة سلوكها.
ووفقًا لما أورده التقرير، أنتج مسح جوي لأكبر منطقة محمية في كينيا خلال عام 2025 نحو 200 ألف صورة، استغرق فحصها يدويًا تسعة أشهر بمشاركة تسعة أشخاص، بينما أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على إجراء تحليلات مماثلة خلال ساعات.
وكشف فرانك بوب، الرئيس التنفيذي للمنظمة، أن المقارنة أظهرت أن المسوحات البشرية السابقة كانت تفوّت رصد نحو ثلث الأفيال، ونصف الحُمر الوحشية والزرافات تقريبًا، وثلاثة أرباع حيوانات المها.
وتبرز أهمية هذه النتائج في أن دقة إحصاء الحيوانات لا تقتصر على المعرفة العلمية، بل تساعد كذلك في تقييم احتياجات الحماية وتوجيه الموارد المالية إلى المناطق والأنواع الأكثر احتياجًا. كما يمكن للبيانات الأكثر دقة أن تدعم جهود تمويل مشروعات الحفاظ على التنوع الحيوي.
أبحاث جين غودال.. من 15 عامًا إلى عامين
وفي تطبيق علمي آخر، يستعين معهد جين غودال بالذكاء الاصطناعي لرقمنة سجلات بحثية تاريخية توثق سلوك حيوانات الشمبانزي في متنزه غومبي الوطني بتنزانيا.
وتضم هذه السجلات ملاحظات ميدانية مكتوبة بخط اليد، بعضها باللغة المحلية «كيها»، إلى جانب اختصارات ومصطلحات علمية استخدمها الباحثون خلال عقود من الدراسات.
وكانت التقديرات الأولية تشير إلى أن رقمنة هذه المواد وتنظيمها قد تستغرق ما بين 13 و15 عامًا، بسبب صعوبة قراءة السجلات وتصنيف محتوياتها.
إلا أن استخدام أداة طُوّرت بالتعاون مع خدمات أمازون ويب «AWS» أسهم في تقليص المدة المتوقعة لإنجاز المشروع إلى نحو عامين، عبر تسريع عمليات المسح والترجمة وتنظيم المعلومات.
وتتيح هذه الخطوة للباحثين إمكانية الوصول إلى أرشيف علمي واسع، وتحليل البيانات التاريخية بصورة أكثر كفاءة، بما قد يدعم الدراسات المتعلقة بسلوك الشمبانزي والتغيرات البيئية التي شهدتها موائله الطبيعية.
الوجه الآخر للتقنية.. استهلاك هائل للطاقة والمياه
رغم هذه التطبيقات الواعدة، تواجه تقنيات الذكاء الاصطناعي انتقادات متزايدة بسبب اعتمادها على مراكز بيانات ضخمة تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء، فضلًا عن المياه المستخدمة في أنظمة التبريد.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الاستهلاك السنوي للكهرباء في مراكز البيانات عالميًا قد يصل إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، أي أكثر من ضعف مستوى الاستهلاك المسجل في عام 2024. ويعادل هذا المقدار تقريبًا استهلاك اليابان السنوي من الكهرباء.
كما تشير التوقعات التي أوردتها رويترز إلى احتمال ارتفاع الاستهلاك العالمي للمياه المرتبط بمراكز البيانات من نحو 560 مليار لتر سنويًا في عام 2023 إلى قرابة 1.2 تريليون لتر سنويًا بحلول عام 2030. وتبقى هذه الأرقام توقعات مستقبلية تعتمد على سيناريوهات نمو القطاع، وليست قياسات لاستهلاك تحقق بالفعل.
وتثير هذه المؤشرات تساؤلات بشأن قدرة الشركات التقنية على تحقيق التوازن بين التوسع في البنية التحتية الرقمية والالتزامات المتعلقة بخفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
حلول تقنية لتقليل الأثر البيئي
في مواجهة هذه التحديات، بدأت بعض المنظمات البيئية اعتماد إجراءات تستهدف تقليل استهلاك الموارد عند استخدام الذكاء الاصطناعي.
فقد أوضح معهد الموارد العالمية أنه يحد من التطبيقات التي تتطلب قدرات حوسبية مرتفعة، ومنها توليد الصور ومقاطع الفيديو، ويعتمد آليات لإعادة استخدام نتائج الاستعلامات السابقة بدلًا من تكرار العمليات الحسابية نفسها.
أما منظمة «ذا نيتشر كونسيرفانسي»، فتستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل تسجيلات الفيديو الملتقطة على متن سفن الصيد التجارية، بهدف التعرف على أنواع الأسماك وكميات المصيد.
وبدلًا من إرسال كميات ضخمة من التسجيلات إلى مراكز بيانات مركزية، تعتمد المنظمة على كاميرات رقمية مزودة بقدرات معالجة محلية، ما يساعد على تقليل نقل البيانات واستهلاك الموارد المرتبط بهذه العمليات. ويُعرف هذا النهج بالحوسبة الطرفية، ويعتمد على معالجة البيانات بالقرب من مصدر إنتاجها.
غرينبيس تتساءل عن ضرورة التوسع في مراكز البيانات
في المقابل، تتبنى منظمة «غرينبيس الدولية» موقفًا أكثر تحفظًا تجاه التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي.
ورغم استخدامها بعض الأدوات التي تتضمن وظائف قائمة على هذه التقنية، فإن المنظمة تعمل على وضع إرشادات داخلية تؤكد الشفافية والرقابة البشرية والاستخدام المدروس.
وترى المنظمة أن النقاش البيئي يجب ألا يقتصر على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، بل ينبغي أن يمتد إلى التساؤل عن الحاجة الفعلية إلى إنشاء المزيد من مراكز البيانات الضخمة.
ويعكس هذا الموقف اختلافًا بين المؤسسات البيئية حول حجم الفوائد التي يمكن أن تحققها التقنية مقارنة بالتكاليف التي تفرضها على المناخ والموارد الطبيعية.
مؤتمر المناخ يضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر
ومن المتوقع أن يحظى هذا الملف باهتمام خلال مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ «COP31»، المقرر انعقاده في تركيا خلال نوفمبر الجاري.
وبحسب التقرير، تسعى الدولة المضيفة إلى تشجيع الحكومات والشركات والمؤسسات على تبني مبادئ تدعم تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه بصورة مستدامة.
كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى إلى الإفصاح العلني عن الآثار البيئية لأنظمتها، بما يعزز الشفافية ويساعد على تقييم التكلفة الحقيقية للتوسع التقني.
وتشير هذه التطورات إلى أن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والاستدامة أصبحت قضية تتجاوز القطاع التقني، لتشمل السياسات البيئية والطاقة وإدارة المياه والحوكمة الدولية.
هل يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحل أم المشكلة؟
تكشف التجارب التي استعرضتها المنظمات البيئية أن الذكاء الاصطناعي يمتلك إمكانات عملية لتحسين مراقبة الغابات والحياة الفطرية، وتسريع الأبحاث العلمية، وتوفير معلومات أكثر دقة لصنّاع القرار.
لكن هذه الفوائد لا تلغي الحاجة إلى قياس استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات المرتبطة بتطوير الأنظمة وتشغيلها. ويظل التحدي الأساسي في تحقيق منفعة بيئية قابلة للقياس، تتناسب مع الموارد التي تتطلبها التقنية، مع استمرار الرقابة البشرية والشفافية بشأن نتائج استخدامها وتكاليفها.
وبينما تتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في حماية الطبيعة، يتشكل سؤال محوري أمام المؤسسات والحكومات والشركات: كيف يمكن توظيف التكنولوجيا لإنقاذ البيئة، دون أن تصبح هي نفسها عبئًا إضافيًا عليها؟



