علمية وتقنية

28 مليار دولار تدفع سباقًا عالميًا لتغليف رقائق الذكاء الاصطناعي

إسراء الحرف – اقتصاد

يشهد قطاع أشباه الموصلات العالمي سباقًا استثماريًا متسارعًا لتطوير تقنيات التغليف المتقدم للرقائق الإلكترونية، مدفوعًا بالطلب المتزايد على المعالجات المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، في وقت تتجه فيه الشركات الكبرى إلى توسيع قدراتها الإنتاجية لمواجهة اختناقات التصنيع.

وكشف تقرير نشرته وكالة رويترز، الجمعة 6 نوفمبر 2026، أن الاستثمارات في هذا المجال باتت تشكل محورًا رئيسيًا للمنافسة بين شركات صناعة الرقائق، بعدما تحولت تقنيات التغليف المتقدم من مرحلة صناعية مساندة إلى عنصر حاسم في تطوير المعالجات عالية الأداء.

وتشير تقديرات شركة الأبحاث «يول غروب» إلى أن الإنفاق الرأسمالي على تقنيات التغليف المتقدم قد يقترب من 28 مليار دولار خلال عام 2026، مع توقعات بأن تتجاوز إيرادات هذه التقنيات إيرادات التغليف التقليدي للمرة الأولى.

لماذا أصبح تغليف الرقائق بهذه الأهمية؟

لا يقتصر مفهوم التغليف المتقدم على حماية الرقائق الإلكترونية، بل يشمل دمج وحدات معالجة وذاكرة متعددة داخل حزمة واحدة، بما يسمح بتبادل البيانات بسرعات أعلى وتحسين كفاءة تشغيل الأنظمة الحاسوبية.

وتزداد أهمية هذه التقنيات مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ تتطلب النماذج المتقدمة نقل كميات هائلة من البيانات بين وحدات المعالجة والذاكرة، وهو ما يجعل كفاءة الربط بين المكونات عاملًا مؤثرًا في أداء المعالجات.

ويأتي هذا التحول بالتزامن مع ارتفاع تكلفة تطوير الشرائح التقليدية وتعقيد عمليات تصغير الترانزستورات، ما يدفع الشركات إلى البحث عن وسائل جديدة لزيادة الأداء دون الاعتماد على تصغير المكونات وحده.

هيمنة تايوانية وضغوط على الطاقة الإنتاجية

تحتفظ شركة «تي إس إم سي» التايوانية بموقع متقدم في سوق التغليف المتقدم، خصوصًا من خلال تقنية CoWoS، التي تتيح دمج وحدات معالجة وذاكرة متعددة ضمن منظومة مترابطة عالية السرعة.

وتستخدم هذه التقنية شركات بارزة، بينها إنفيديا وإيه إم دي وبرودكوم، إلى جانب شركات الحوسبة السحابية التي تطور معالجات خاصة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

غير أن محدودية الطاقة الإنتاجية دفعت عددًا من الشركات إلى البحث عن موردين إضافيين وتطوير بدائل تقنية، بهدف تقليل الاعتماد على مصدر واحد وتلبية الطلب المتزايد.

ووفقًا لما نقلته رويترز عن مسؤول مطلع، تقدم إنفيديا تمويلًا بمليارات الدولارات لدعم التوسع في قدرات التغليف المتقدم لدى شركة «سيليكون وير بريسيجن إندستريز» التابعة لمجموعة «إيه إس إي» التايوانية.

ولم تؤكد إنفيديا هذه المعلومات، فيما امتنعت مجموعة «إيه إس إي» عن التعليق على ما وصفته بشائعات السوق المتعلقة بعملائها.

تقنيات جديدة لتقليل الهدر وزيادة الإنتاج

في مواجهة هذه التحديات، تعمل شركات أخرى على تطوير تقنية التغليف باستخدام الألواح المستطيلة بدلًا من الرقائق الدائرية التقليدية.

وتتيح هذه الطريقة استيعاب عدد أكبر من المكونات خلال عمليات التصنيع، مع إمكانية تقليل هدر المواد، خصوصًا عند إنتاج المعالجات الكبيرة والمعقدة المستخدمة في الذكاء الاصطناعي.

وتعمل شركة «باورتك تكنولوجي» التايوانية على تطوير هذه التقنية بالتعاون مع شركتي إيه إم دي وبرودكوم، ضمن جهود تستهدف اختبار جدواها في إنتاج معالجات الحوسبة عالية الأداء.

كما تخطط «باورتك» لاستثمار 400 مليون دولار في مشروع مشترك مع برودكوم في سنغافورة، مع إمكانية بدء الإنتاج خلال عام 2028.

وفي المقابل، تطور «تي إس إم سي» تقنية جديدة تعتمد على الألواح، تعرف باسم CoPoS، بهدف توسيع الخيارات المتاحة لتغليف المعالجات المتقدمة.

شركات المعدات تدخل المنافسة

لم يعد التوسع مقتصرًا على مصنعي الرقائق، إذ بدأت شركات معدات أشباه الموصلات زيادة اهتمامها بتقنيات التغليف المتقدم، باعتبارها سوقًا مرشحة للنمو خلال السنوات المقبلة.

ومن بين هذه الشركات «أبلايد ماتيريالز» الأمريكية و«طوكيو إلكترون» اليابانية، اللتان تعملان على تطوير معدات وحلول إنتاجية تتناسب مع المتطلبات الجديدة للصناعة.

ويرى مسؤولون في القطاع أن الطلب المتزايد على معالجات الذكاء الاصطناعي سيجعل توسيع الطاقة الإنتاجية أحد أهم التحديات خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة.

مرحلة جديدة في المنافسة التقنية

تعكس هذه التطورات تحولًا في طبيعة المنافسة العالمية على أشباه الموصلات، فلم تعد القدرة على إنتاج الرقائق الأكثر تقدمًا وحدها كافية، بل أصبحت تقنيات دمج المكونات وتغليفها وتوفير الطاقة الإنتاجية عوامل رئيسية في تحديد قدرة الشركات على تلبية احتياجات السوق.

ومع استمرار الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تتجه صناعة الرقائق إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها المنافسة التقنية مع سلاسل الإمداد والقدرات التصنيعية، وسط توقعات باستمرار الطلب على حلول التغليف المتقدم خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى