المقالات

يخف الحرف فتنكشف الحكمة

د. فهد عيد الحاسري

د. فهد عيد الحاسري

وأنا أقرأ سورة الكهف، توقفت عند قوله تعالى:

﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: 97].

وسألت نفسي: لماذا قال ﴿اسطاعوا﴾ ثم ﴿استطاعوا﴾، وبينهما حرف واحد؟

ولأن التأمل في كتاب الله لا ينبغي أن يقوم على الانطباع وحده، رجعت إلى ما ذكره أهل التفسير، ومنهم الطبري وابن كثير والقرطبي والبغوي.

فوجدت أن اللفظين يدلان على القدرة، وأن (اسطاعوا) مخففة من (استطاعوا).

ومن لطائف التعبير التي ذكرها أهل العلم أن الصعود فوق السد أيسر من نقبه واختراقه، فجاء مع الأخف اللفظ الأخف ﴿اسطاعوا﴾، ومع الأشق اللفظ الأتم ﴿استطاعوا﴾.

وكأن الحرف هنا يشارك في تصوير المعنى.

ثم وجدت في قصة موسى والخضر ما يزيد التأمل جمالًا. قال الخضر قبل أن يفسر لموسى ما جرى:

﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 78]،

فلما كشف له حقيقة السفينة والغلام والجدار، قال:

﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82].

في الأولى ﴿تستطع﴾، وفي الثانية ﴿تسطع﴾. ومن لطائف ما ذكره أهل العلم أن الأمر قبل البيان كان أثقل على موسى، فلما انكشفت أسبابه وخف الإشكال، جاء اللفظ أخف.

وهنا خرجت من الحرف إلى الحياة.

موسى عليه السلام رأى سفينة تُخرق، وغلامًا يُقتل، وجدارًا يُقام لأناس لم يحسنوا الضيافة. كان يرى ظاهر المشهد، ولكنه لم يكن يرى ما وراءه:

رأى الخرق، ولم يرَ الملك الذي يأخذ السفن غصبًا.

ورأى ما وقع للغلام، ولم يكن يعلم ما يعلمه الله عن مستقبله ومستقبل أبويه.

ورأى الجدار، ولم يرَ الكنز المحفوظ تحته ليتيمين.

ثم قال الخضر الجملة التي تضبط فهم القصة كلها:

﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾.

فالخضر لم يكن يتصرف من تلقاء نفسه، ولم يكن يعلم الغيب بذاته، وإنما فعل ما فعل بأمر من الله وعلمٍ علّمه الله إياه.

وهنا الدرس الذي أراه جديرًا بأن يبقى معنا:

كم مرة حكمنا على أمر قبل أن تكتمل صورته؟

باب أُغلق فحسبناه خسارة، وأمنية تأخرت فظنناها حرمانًا، وطريق تعطل فحسبناه نهاية. ثم تمضي الأيام، فتكشف لنا في بعض ما أحزننا خيرًا لم نكن نراه.

لكن قصة الخضر لا تمنحنا الحق في اختراع تفسير لكل مصيبة، أو الادعاء بأننا نعرف حكمة الله منها.

فالإيمان بالحكمة شيء، وادعاء معرفة الحكمة شيء آخر.

قد يكشف الله لنا بعض الأسباب، وقد تبقى أشياء لا نعرف سرها أبدًا.

ولذلك، فالحكمة ليست أن نفسر كل ما يحدث، وإنما أن ندرك حدود علمنا أمام علم الله.

وهذا ما تعلمته من سورة الكهف:

أن تعمل بما تستطيع، وتصبر فيما لا تستطيع، وتثق بالله فيما لا تعلم.

فلا تحكم على حياتك من فصل واحد، ولا على الطريق من منعطف واحد، ولا تجعل ما تراه اليوم هو الحقيقة كلها.

فأنت ترى الخرق، والله يعلم أين الملك.

وترى الجدار، والله يعلم أين الكنز.

وترى يومك، والله يعلم ما بعده.

ولعل هذا هو الدرس الأعمق، فليس مطلوبًا منك أن تعرف حكمة كل ما يحدث، ولكن أن تعرف حدود علمك، وتحسن العمل فيما تملك، وتحسن الظن بالله فيما لا تملك.

فإذا كان حرف واحد في سورة الكهف يلفت النظر إلى دقة المعنى، فإن القصة كلها تعلمنا ألا نستعجل فهم أقدار لم تكتمل أمامنا فصولها.

قد تخفى الحكمة عن أعيننا، لكنها لا تغيب عن علم الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى