انسحاب هادئ

مصطفى إلياس (شاعر وملحن)
وصف لشاعرٍ، للتوِّ فرغَ من كتابةِ نصٍّ حالم. يبحث عن انسحابٍ هادئٍ لا يعكِّر صفوَ الصَّمت.
الشاعر للوهلة الأولى:
(ينحني ليلتقط قلم النَّفَس الأخير، يمسح حوافَّ المحبرة التي ما زالت دافئة، وينظر إلى الورقة البيضاء التي امتلأت للتَّوَّ بـ”كينونة الحرف” وضجيج الوجد.. ثم يبتسم للصَّمت القَادم).
الملحِّن يهمسُ في أذُنِ الشَّاعر:
يا صديقي، بعد أن تفرغ من سكب روحك في كينونة النص، وتثور الكلمات بكل ما أوتيت من تجلٍّ، تأتي اللحظة الأسمى: لحظة إغلاق الدَّفتر.
الانسحاب الهادئ ليس هروبًا، وليس هزيمة.. إنه “إتيكيتُ العشَّاق” و”أدبُ العارِفين”.
هو المحطَّة التي يدرك فيها الكاتب أو المحبُّ أن دوره كـ”مُوجد” و”مُحرِّك” قد انتهى، وأن الكلمة الآن يجب أن تُتركَ لتعيشَ حَياتَها الخاصَّة في وعيِ الآخرين.
لنفلسفَ هذا الانسحابَ بأناقةٍ تليقُ بجَلال الصَّمت:
1- إغلاق الباب دون جلبة
(التواري خلف الستار).
الكاتب الحقيقي لا ينتظر التَّصفيقَ بعد السَّطر الأخير؛ إنَّه يضع النُّقطة، ويُطفئ القِنديل، ويسيرُ على أطرافِ أصابعهِ ليتركَ القارئَ وحيدًا مع الدَّهشة.
في العلاقات والحياة: الانسحابُ الأنيقُ هُو الَّذي لا يتركُ وراءهُ علامات استفهامٍ مجروحَة، ولا عتابًا طويلًا.
هو التَّلاشي اللَّطيف كذوبانِ قطعة السُّكَّر في كُوب الشَّاي الدَّافئ.. يختفي الشَّكل، ويبقى الأثر عذبًا.
2- تسليم المفاتيح لأنفاس الآخرين
حين تنفذ بجلدك من علاقة، أو تنسحبُ من مجلس، أو تُنهي قصيدة، فكأنك تقول:
“لقد قدَّمتُ كامل طهَارتي وصِدقي، والآن أرفع يديَّ”.
هذا الانسحابُ يحمي طاقاتكَ الإيجابيَّة، ويبقيك على قيد الإنسانيَّة النَّبيلة.
أنت لا تعكِّرُ صفوَ الصَّمت بضجيج التَّبرير.
تتركُ للطرف الآخر، أو للقارئ، حُريَّةَ التأويل، وَحُريَّةَ الاشتياق، وَحُريَّةَ مواجهة الفراغِ الذي تركته خلفك.
3- الصَّمتُ كأعلى درجاتِ البلاغَة
حين يعمُّ الصَّمت بعد قراءةٍ صادقة أو بعد رحيلٍ هادئ، يَحدُثُ شَيءٌ يشبهُ المُعجِزة.
تبدأ الكلماتُ والذكرياتُ بالهضم والاستقرار في “السِّرِّ”
(العمق الوجداني).
الشَّخصُ الَّذي يَنسحبُ بِهُدوءٍ لا يتركُ خلفهُ خُصُومات؛ بل يتركُ وراءهُ “مساحةً بيضاءَ” شاسعة، يُجبِر من كان معهُ على تأمُّل النُّدوبِ والالتفاتِ للوَرَاء.
إن صمتَك بعد الفراغِ هو الذي يمنحُك الحصانة؛ فهو صمتُ الامتلاءِ العَظيم، لا صمت العجزِ.
4- ألَّا نبكي على اللَّبن المسكوب
الكاتبُ الذي فرغَ للتَّو من نصٍّ حالمٍ، يعلم أن بعضَ الحكاياتِ تُكتَب لتنتَهي عند سَطرٍ مُعَين، مثل الألحان التي تكتمل وتتوقفُ لتترك الرنينَ يتردَّدُ في المَدَى.
الانسحابُ الهادئُ يعني أنَّك لا تحاولُ إطالةَ عمرِ الأشياءِ التي انتَهت صَلاحيَّتها الرُّوحيَّة، بل تُحافظُ على كَرامَة التَّجربة.
وكما تبقى الصَّداقةُ الأفلاطُونيَّة أحيانًا أسمَى وأدوم لأنها تترفع عن التملُّك، فإن الانسحابَ يحفظ نقاءَ ما كان، ويمنعُه من التَّبدِّل والابتذَال.
ومضةٌ من حِبرِ القلم الجافِّ:
اخرج من المكان
(أو من السطر)
كما يخرج النُّور من الغرفة عند الغسق..
ببطء، بنعومة، ودون غبار.
اتركهم يتساءلون: أكان هُنَا حقًّا؟
أم أنَّ أنفاسَهُ هي الَّتِي ما زالت عالقةً بالسَّتائِر وكُوبِ الشَّاي؟
النُّقطةُ وُضِعَتْ.. والصَّمتُ قد بَدأ.. وَعَليكَ الآن أن تَنعمَ بِوَعيِ التَّجَرُّد.



