آخر يقين…

الأمان كلمة بريئة،
لكنها أخطر ما يمكن أن يُمنح لإنسان.
نبحث عنه كما يبحث الغريق عن لوح خشب،
لا لنعبر البحر، بل لنتشبث بشيء لا يغرق معنا.
غير أن بعض الألواح مثقوبة،
تبقيك طافيًا قليلًا،
ثم تتشرّب خوفك،
وتثقل بك،
وتغيب.
في عالمٍ عبثي كما رآه كامو،
ليس الخطر في قسوة الواقع،
بل في الوهم الذي نصنعه كي نحتمله،
ومساحة الأمان قد تكون أرقّ تلك الأوهام.
نختار أن نصدق أن هناك شخصًا
لن يتغير،
لن يتراجع،
لن يتبدّل وجهه حين تتبدّل ملامحنا.
لكن الإنسان، كما فهمه دوستويفسكي،
مخلوق متناقض،
يحبّ ويؤذي في اللحظة نفسها،
يقترب بدافع الحنان،
ويبتعد بدافع الخوف.
الذين حسبناهم ملاذًا
لم يكونوا دائمًا خونة،
أحيانًا كانوا فقط أضعف من أن يحملوا ثقلنا.
نريد من الآخر أن يكون جدارًا
بيننا وبين العالم،
وننسى أنه هو أيضًا
يحتمي بشيءٍ آخر.
الأمان الحقيقي ليس أن لا تُجرح،
بل أن لا تُساوم على نفسك كي لا تُجرح،
أن لا تُصغّر صوتك
كي لا تخيف أحدًا،
ولا تُخفف حضورك
كي لا ينسحب.
إذا احتجت أن تُعيد صياغة ذاتك
في كل مرة تختلف فيها،
فأنت لست في مأوى،
بل في امتحان دائم.
الذين ظُنّوا نجاة
كانوا في أحيان كثيرة
مرآةً لرغبتنا في الاطمئنان،
لا أكثر.
والنضج القاسي
هو أن تدرك
أن الأمان ليس شخصًا،
بل قدرة.
قدرة على الوقوف،
حتى لو اهتزّت الجدران،
قدرة على أن تكون كاملًا،
حتى لو انسحب من ظننته ظلّك.
في النهاية،
العالم لا يعد بشيء،
والإنسان لا يملك إلا وعيه،
وكل أمانٍ يُبنى خارج الذات
يبقى احتمالًا،
لا يقينًا.



