المقالات

الموقف أثمن من المكسب

فاطمة عواجي

فاطمة عواجي

ليست أصعب الاختبارات تلك التي نجهل فيها الصواب، بل تلك التي نعرفه جيدًا ثم نكتشف أن اختياره قد يكلّفنا شيئًا نتمسك به؛ علاقة، مصلحة، قبولًا، فرصة، أو مكانًا اعتدنا أن نكون فيه. عندها لا يعود الحق مجرد كلمة جميلة نتغنى بها، بل يصبح موقفًا يكشف حقيقة الإنسان.

من السهل أن نتحدث عن العدل ما دام لا يمس مصالحنا، وأن نطالب بالإنصاف ما دمنا نحن المستفيدين منه، لكن القيمة الحقيقية للمبدأ تظهر عندما يقف الإنسان أمام خيارين: أن يصمت فيحافظ على ما لديه، أو يتكلم فيخسر شيئًا لكنه يحافظ على نفسه.

بعض الخسارات لا تعني أنك أخطأت، بل قد تكون ثمنًا لأنك رفضت أن تمرّ على الخطأ وكأنك لم تره. قد يبتعد أشخاص لأن موقفك لم يعجبهم، وقد تضيق بك أبواب لأنك لم تجامل، وربما يصفك البعض بالقسوة لأنك قلت ما لم يريدوا سماعه، بينما كل ما فعلته أنك اخترت ألا تخون ضميرك.

والأصعب أن الحق لا يأتي دائمًا في صورة مريحة. أحيانًا يكون من نحب في جهة، والإنصاف في الجهة الأخرى. وهنا يظهر صدق الإنسان؛ لأن النفس بطبيعتها تميل للقريب، والمصلحة تميل لمن ينفع، والخوف يميل لمن يملك القوة، أما الضمير فلا يسأل إلا سؤالًا واحدًا: ما الموقف الذي سأحترم نفسي بسببه لاحقًا؟

الوقوف مع الحق لا يعني الصراخ، ولا يعني تحويل الحياة إلى خصومات دائمة. فقد يكون الحق كلمة هادئة، أو شهادة لا تتبدل، أو اعتذارًا صادقًا، أو انسحابًا محترمًا من مكان لا يشبهك. وأحيانًا تكون شجاعتك الحقيقية في ألا تشارك في ظلم، حتى إن لم تستطع تغييره كله.

بعض الناس يظنون أن الصمت يحفظ العلاقات، لكن العلاقات التي لا تستمر إلا بسكوتك عن الخطأ ليست آمنة كما تبدو. وبعضهم يخاف أن يخسر مكانته إن قال الحقيقة، ولا ينتبه إلى أن هناك خسارة أكبر: أن يبقى في مكانه، لكنه يفقد احترامه لنفسه.

والناس لا يصفقون دائمًا للمواقف النزيهة. هناك من يحب الحقيقة ما دامت لا تقترب من مصالحه، ومن يعشق الشجاعة ما دامت لا تواجهه هو. لذلك لا تجعل رضا الآخرين معيارك الوحيد، لأن الناس تتبدل، والمصالح تتغير، لكن الإنسان يبقى طويلًا أمام نفسه وذاكرته.

قد لا يعيد لك الحق شخصًا خسرته، ولا فرصة فاتتك، ولا بابًا أغلق، لكنه يمنحك شيئًا أثمن: أن تنام وداخلك هادئ، لا تطاردك كلمة كان يجب أن تقولها، ولا موقف كان يجب أن تتخذه، ولا إنسان كان يجب أن تنصفه.

ومع الوقت نكتشف أن بعض الخسارات كانت حماية، وبعض الأبواب المغلقة كانت نجاة، وبعض الأشخاص الذين غادروا بعد موقف صادق لم يكونوا قادرين أصلًا على البقاء مع نسخة حقيقية منك.

فالإنسان لا يُقاس بعدد من بقوا حوله، بل بعدد المرات التي بقي فيها هو كما يريد أن يكون. قد تخسر مصلحة، أو علاقة، أو فرصة، لكنك إن خرجت من الموقف ولم تخسر نفسك، فقد ربحت الشيء الأهم.

لأن بعض المكاسب تنتهي بانتهاء الموقف، أما احترام الإنسان لنفسه فيبقى معه ما بقي حيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى