ثقافة وفنون

أحمد بن فضلان.. الرحالة العربي الذي وثّق عالم الفايكنج قبل ألف عام وألهم السينما العالمية

بقلم: رنا الجديبي

شكّلت السينما العالمية، على مدى عقود، صورة ذهنية لشعوب «الفايكنج» بوصفهم محاربين أشداء يجوبون البحار ويخوضون المعارك. لكن بعيدًا عن عدسات هوليوود، كيف كانت تبدو حياتهم الحقيقية؟

إحدى أبرز الإجابات التاريخية جاءت من بغداد العباسية، حين دوّن أحمد بن فضلان مشاهداته عن جماعات من «الروس» المرتبطين بالعالم الإسكندنافي، في شهادة أصبحت من المصادر المهمة لدراسة جوانب من حياتهم في القرن العاشر الميلادي.

في عام 309هـ، الموافق 921م، انطلقت من بغداد بعثة رسمية بأمر الخليفة العباسي المقتدر بالله إلى بلاد بلغار الفولغا، استجابة لطلب حاكمها إرسال من يعلّم أهل بلاده الإسلام، إلى جانب طلب دعم لبناء حصن. وكان أحمد بن فضلان أحد أعضاء البعثة التي وصلت سنة 310هـ، الموافق 922م.

تحولت الرحلة إلى وثيقة تاريخية سجّل فيها ابن فضلان تفاصيل المجتمعات التي مر بها وعادات سكانها وملابسهم ومعتقداتهم وطقوسهم، في نص عُرف باسم «رسالة ابن فضلان».

لقاء الشرق بالشمال.. حين وصف العربي رجال الفايكنج

على ضفاف نهر الفولغا، التقى ابن فضلان جماعات من التجار والمحاربين المعروفين باسم «الروس»، الذين ارتبطت أصول بعضهم بالعالم الإسكندنافي، ولا سيما مناطق السويد الحالية.

وصف مظهرهم الجسدي وملابسهم وأسلحتهم، جامعًا بين الإعجاب بقوة بنيتهم والاستغراب من عاداتهم. فقال: «ما رأيت أتم أبدانًا منهم، كأنهم النخل». كما أشار إلى الرسوم التي تغطي أجزاء من أجسادهم، وإلى حمل الرجال الفؤوس والسيوف والسكاكين.

ولم يغفل النساء، إذ وصف حليًا معدنية كن يرتدينها على صدورهن، من الحديد أو الفضة أو الذهب، تختلف قيمتها بحسب ثروة الرجل، إلى جانب الأطواق والزينة.

صدمة العادات.. اختلاف الحضارات في تفاصيل الحياة اليومية

رغم إعجابه بقوتهم الجسدية، لم يُخفِ ابن فضلان استغرابه من ممارسات تتعلق بالنظافة الشخصية، وهو القادم من مجتمع ترتبط فيه الطهارة بممارسات دينية يومية.

ووصفهم بعبارة قاسية، فقال إنهم «أقذر خلق الله»، مستنكرًا ما رآه. ومن أبرز مشاهده استخدام أفراد الجماعة إناءً واحدًا لغسل وجوههم وأيديهم وتمشيط شعورهم، مع انتقال الإناء بينهم.

لكن هذه الملاحظات تعبّر عن مشاهداته لجماعات محددة، ولا يصح تعميمها على جميع الشعوب الإسكندنافية. وهي تكشف أيضًا اختلاف المعايير الثقافية بين المجتمعات.

جنازة على ضفاف الفولغا.. المشهد الذي عبر ألف عام

من أشهر ما ورد في رسالة ابن فضلان وصفه التفصيلي لجنازة أحد وجهاء جماعات «الروس»، بما تضمنته من معتقدات وطقوس ومظاهر ثراء وسلطة.

بحسب روايته، وُضع المتوفى في قبر مؤقت، بينما أعد أفراد جماعته ملابسه ومقتنياته. ثم جُهزت سفينة ووُضع فيها بعد إلباسه ثيابًا فاخرة، وأحيط بأسلحته وممتلكاته، مع تقديم قرابين من الحيوانات.

وتضمنت المراسم اختيار جارية لمرافقة سيدها المتوفى إلى الموت بعدما أعلنت استعدادها لذلك، قبل أن تنتهي الطقوس بقتلها ووضعها إلى جواره في السفينة.

وفي المشهد الأخير أُضرمت النار في السفينة، في طقس ارتبط بمعتقداتهم عن المصير بعد الموت. كما نقل ابن فضلان حديثًا مع أحد الحاضرين يكشف اختلاف التصورات الدينية حول الجنازة.

وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها تقدم وصفًا مباشرًا لمراسم جنائزية لدى جماعة محددة في القرن العاشر، يمكن مقارنته بالأدلة الأثرية والمصادر الأخرى.

من مخطوطات بغداد إلى شاشات هوليوود

امتد أثر رحلة ابن فضلان إلى الأدب والسينما. فقد استلهم الروائي الأمريكي مايكل كرايتون جانبًا من روايته «أكلة الموتى» (Eaters of the Dead)، الصادرة عام 1976، من مشاهدات الرحالة، إلى جانب عناصر من ملحمة «بيوولف» الإنجليزية القديمة.

وفي عام 1999 تحولت الرواية إلى فيلم «المحارب الثالث عشر» (The 13th Warrior)، وجسّد فيه أنطونيو بانديراس شخصية أحمد بن فضلان.

وهكذا تحوّل رحالة غادر بغداد قبل أكثر من ألف عام إلى شخصية سينمائية، وإن كانت أحداث الرواية والفيلم تتضمن إضافات خيالية لا تمثل وقائع موثقة في الرسالة الأصلية.

إرث ابن فضلان.. حين تصبح الملاحظة ذاكرة للتاريخ

تحتل رسالة أحمد بن فضلان مكانة مهمة في دراسة مجتمعات أوراسيا في العصور الوسطى، ولا سيما بلغار الفولغا وجماعات «الروس». وتُعد مشاهداته من الشهادات المبكرة ذات القيمة الإثنوغرافية.

ورغم تأثر بعض أحكامه بخلفيته الثقافية والدينية، بقيت رسالته مصدرًا تاريخيًا يستحق القراءة والتحليل والمقارنة.

لم يحمل ابن فضلان كاميرا توثق المشاهد، لكنه امتلك عينًا تراقب وعقلًا يتأمل وقلمًا يسجل. وبينما تبدلت حدود واختفت ممالك، بقيت كلماته شاهدة على عالم بعيد.

ولعل أعظم ما تركه لم يكن وصف عالم الفايكنج وحده، بل الدليل على أن الحضارات تخلّد حضورها بما تتركه من معرفة قادرة على عبور الزمن. فمن بغداد إلى الفولغا، ومن صفحات المخطوطات إلى شاشات السينما، ظل قلمه يروي حكاية لم تنته بعد ألف عام.

الوسوم: #أحمد_بن_فضلان #الفايكنج #التاريخ_الإسلامي #الثقافة_والفنون #رنا_الجديبي #إسراء_الحرف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى