
د. فهد عيد الحاسري
وفي يومها الوطني السادس والتسعين لا نحتفل بتاريخٍ مضى فحسب بل نستعيد حكاية وطنٍ وُحِّدت أرضه بالعزم وحُفظ أمنه بالرجال وبُني حاضره بالعمل ويُصنع مستقبله بالطموح.
قبل ستة وتسعين عاماً وحد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه هذه البلاد تحت راية واحدة وأقام دولةً لم يكن توحيدها نهاية الحكاية بل أول سطورها.
وكان من كلماته «أنا رجل عمل إذا قلت فعلت» وكأنها لم تكن وصفاً لرجل فحسب بل منهجاً لوطنٍ تعلّم منذ بداياته أن يجعل بين الحلم وتحقيقه جسراً اسمه العمل.
ثم مضت الراية من يدٍ أمينة إلى أخرى، سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله -رحمهم الله- حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-.
تغيرت العهود وبقي العهد وطنٌ لا تسقط رايته وأمانة يحملها جيل ويسلمها إلى جيل .
واليوم تمضي المملكة بقيادة الملك سلمان وبطموح سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مرحلةٍ لا تنتظر المستقبل بل تعمل على صناعته.
وحين قال سمو ولي العهد «همة السعوديين مثل جبل طويق ولن تنكسر إلا إذا انهد هذا الجبل وتساوى بالأرض» لم يعد طويق مجرد جبلٍ في جغرافية الوطن بل أصبح صورةً لمعنى يسكن الإنسان السعودي الثبات حين تشتد التحديات، وعلو الهمة كلما ارتفع سقف الطموح.
ولهذا نقول:
يا محمد بن سلمان أمامك طموح وخلفك شعب طويق .
شعبٌ لا ينتظر المستقبل ليخبره ماذا سيكون بل يمضي إليه ليشارك في صناعته، بعلمه وعمله وإخلاصه ومسؤوليته وبإيمانه بأن الوطن لا يُبنى بالاحتفاء بالإنجاز فقط، وإنما بالمشاركة في صنعه.
ويأتي يوم الوطن هذا العام والمنطقة من حولنا تمر بظروف متسارعة وتوترات متصاعدة فنزداد إدراكاً بأن الوطن ليس أرضاً نحتفل بها حين تهدأ الحياة فقط بل بيتٌ نزداد تمسكًا به حين تضطرب من حوله الرياح.
في مثل هذه الظروف نعرف قيمة الأمن أكثر وندرك قوة الوحدة أكثر ونعلم أن الوعي مسؤولية لا تقل شأناً عن الحماس. فالأوطان في أوقات الرخاء تُبنى، وفي أوقات التحديات تظهر معادن أبنائها.
وهنا يأخذ طويق معنىً آخر فهو ليس رمزاً للطموح وحده بل للثبات أيضاً .
فإذا اشتدت الرياح عرفت الجبال معنى شموخها وإذا اشتدت التحديات عرف الوطن معدن أبنائه.
وحب الوطن ليس كلمات نرفعها في يومه، ولا رايات تملأ الطرقات ثم تُطوى، فالوطنية الحقيقية أبقى من مناسبة.
أن تتقن عملك… وطنية.
أن تحفظ أمن بلادك ومقدراتها… وطنية.
أن تحترم نظامها وتصون مكتسباتها… وطنية.
أن تربي أبناءك على الدين والقيم والانتماء والمسؤولية… وطنية.
وأن تترك في موقعك أثراً يجعل وطنك أفضل مما وجدته… تلك وطنية لا تحتاج إلى شعار.
ويأتي شعار اليوم الوطني الـ96 «عزنا بطبعنا» ليعبر عن قيمٍ أصيلة في المجتمع السعودي، الشجاعة والرؤية والأصالة والهمة والجود والكرم.
لكن العز الحقيقي ليس أن نردد هذه الصفات، بل أن نكون أهلًا لها.
فنحن لا نرث الوطن من آبائنا لنفخر به فقط بل نحمله أمانةً لنسلمه إلى أبنائنا أكثر أمناً وأقوى بناءً وأبعد طموحاً .
وللمملكة مكانةٌ تتجاوز حدود الجغرافيا ففي أرضها المسجد الحرام والمسجد النبوي وإليها تتجه قلوب المسلمين وعلى أرضها شرف خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما. ومن مكة والمدينة إلى كل مدينة وقرية، ومن شمال المملكة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، وطنٌ واحد، ورايةٌ واحدة، ومصيرٌ واحد.
وبعد ستة وتسعين عاماً، يبقى سؤال يستحق أن نسأله لأنفسنا :
ماذا سيقرأ الجيل القادم عنّا عندما يحتفل باليوم الوطني المئة؟
هل سيقرأ أننا اكتفينا بالفخر بما صنعه من قبلنا؟
أم سيقرأ أننا أضفنا إلى المجد مجداً ، وإلى البناء بناءً، وتركنا لهم وطناً أعظم؟
هنا يصبح اليوم الوطني أكثر من ذكرى، يصبح عهداً بين جيلٍ صنع الوحدة، وجيلٍ يحمل الأمانة، وجيلٍ ينتظر أن نسلمه الراية.
وفي هذا اليوم يستحق الشكر كل من يبني ويحمي ويخدم، قياداتٍ تحمل أمانة المسؤولية، ورجالاً في قواتنا العسكرية والأمنية يذودون عن الوطن ويحرسون أمنه، ومواطنين يجعلون الإخلاص في أعمالهم صورةً من صور الانتماء، ومقيمين شاركوا بأمانة واحترام في مسيرة العمل والبناء والتنمية.
فالوطن يُصان برجاله، ويعلو بسواعد أبنائه، ويزدهر بكل مخلصٍ يعمل على أرضه.
من عبدالعزيز الذي وحد الأرض، إلى أبنائه الذين واصلوا البناء، إلى سلمان الذي يحمل الأمانة، ومحمد بن سلمان الذي رفع سقف الطموح، وشعبٍ همّته كطويق…
هذه السعودية.
وطنٌ إذا هدأت المنطقة بنى،
وإذا اضطربت ثبت،
وإذا كبرت التحديات علت همّته،
وإذا نظر إلى المستقبل… لم ينتظره، بل صنعه.
اللهم يا ذا الجلال والإكرام احفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان وألبسهما ثوب الصحة والعافية وأيّدهما بتوفيقك وسدّد خطاهما ووفقهما لما فيه خير البلاد والعباد.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية قيادةً وشعباً وجنوداً وأرضاً ومقدسات بعينك التي لا تنام واصرف عنها كل سوء ومكروه وأدم عليها نعمة الإيمان والأمن والوحدة والعزة والرخاء وارحم مؤسسها وملوكها الراحلين واجعل مستقبلها أعظم مجداً وأرسخ أمناً وأبعد طموحاً .
دام عزك يا وطن…
وعزّنا بطبعنا.



