عصر العلاقات المزيفة… يصفّقون لنجاحك ويتابعون سقوطك بصمت!
الجميع يراك… فمن يشعر بك؟
بقلم المحامية عبير عبدالله العامري
في زمنٍ يعرف فيه الجميع أخبارك، ويشاهدون تفاصيل يومك، ويصفّقون لنجاحاتك أمام الملأ، قد تسقط وحدك دون أن تمتد إليك يد واحدة. يراقبون انكسارك كما راقبوا صعودك، يتابعون غيابك كما تابعوا حضورك، وربما يعرفون أنك تتألم، لكنهم يكتفون بالمشاهدة! فهل أصبحنا نعيش عصرًا يرى فيه الجميع الإنسان، ولا يشعر به أحد؟
لم تعد المشكلة في قلة التواصل، بل في زيف بعض العلاقات التي تختبئ خلف كثافة التفاعل. آلاف المتابعين، ومئات التعليقات، ورسائل لا تتوقف، ومع ذلك قد لا تجد شخصًا واحدًا يسألك بصدق: كيف حالك حين لا تكون بخير؟
أصبحنا نخلط بين المشاهدة والاهتمام، وبين الإعجاب والتقدير، وبين الكلمات الجميلة وصدق المواقف. نحتفي بنجاح الآخرين أمام الجميع، لكننا أحيانًا نعجز عن مساندتهم حين تتعثر خطواتهم. نعرف تفاصيل حياتهم من منشوراتهم، لكننا لا نعرف شيئًا عن معاركهم التي يخوضونها بعيدًا عن الشاشات.
وهنا يبرز السؤال: هل نحن أصدقاء، أم جمهور يتبادل التصفيق ما دامت المشاهد جميلة؟
الأكثر إيلامًا أن بعض العلاقات لا تظهر حقيقتها إلا عند الحاجة؛ أشخاص يتقنون الاقتراب حين تكون قادرًا على العطاء، ويجيدون الاختفاء حين تحتاج إلى موقف. يطلبون الاهتمام ولا يمنحونه، ينتظرون الوفاء ولا يلتزمون به، ويعاملون مشاعر الآخرين وكأنها موارد متاحة للاستهلاك متى أرادوا.
وهنا تبدأ الخطوط الحمراء التي لا ينبغي أن نتسامح معها:
أولًا: لا تستغلوا مشاعر الآخرين.
لا تقتربوا من إنسان لتستنزفوا وقته واهتمامه، ثم تتواروا عندما يحتاج إليكم. لا تمنحوا وعودًا عاطفية أو إنسانية لمجرد إبقاء شخص قريبًا منكم، وأنتم لا تنوون الوفاء بها. فالمشاعر ليست وسيلة لتحقيق المصالح، والطيبة ليست تصريحًا مفتوحًا للاستغلال.
ثانيًا: لا تجعلوا أوجاع الناس محتوى.
تصوير لحظات ضعفهم، ونشر رسائلهم الخاصة، وتداول أسرارهم، واستغلال أزماتهم لجذب المشاهدات؛ ليست عفوية ولا حرية تعبير. إنها انتهاك للخصوصية والكرامة، وقد تترتب عليها مسؤولية قانونية بحسب الواقعة والأنظمة ذات الصلة. ما ائتُمنت عليه ليس ملكًا لك، وما كُشف لك في لحظة ثقة ليس مادة مباحة للنشر.
ثالثًا: لا تتاجروا بالتعاطف.
لا تكتبوا عبارات المواساة أمام الجمهور لتصنعوا لأنفسكم صورة إنسانية، بينما تمارسون التجاهل أو الإساءة في الخفاء. فليس كل من كتب «أنا بجانبك» كان مستعدًا للوقوف، وليس كل من شاهد ألمًا شارك صاحبه حمله.
رابعًا: لا تطالبوا الآخرين بما لا تقدمونه.
لا تغضبوا من تأخر الرد وأنتم تتجاهلون رسائل من ينتظرونكم، ولا تتحدثوا عن الوفاء بينما تختفون عند أول اختبار. العلاقات ليست امتيازات نطالب بها، بل مسؤوليات متبادلة نحترم فيها احتياجات الآخرين وحدودهم.
ولنكن منصفين؛ ليس مطلوبًا من أحد أن يكون متاحًا طوال الوقت، أو أن يحمل أعباء الجميع. لكل إنسان ظروفه وحقه في الخصوصية. لكن هناك فرقًا بين العجز عن الحضور، والتهرب المتعمد، وبين احترام الحدود واستغلال الثقة.
إن وسائل التواصل لم تسلبنا إنسانيتنا وحدها؛ بل كشفت أحيانًا كيف نمارسها، وكيف نختار أن نكون مع الآخرين. فالمسؤولية لا تُقاس بعدد الرسائل، بل بصدق الكلمة، وحفظ السر، واحترام الخصوصية، وعدم تحويل ضعف إنسان إلى فرصة للاستعراض.
والآن، دعونا نطرح السؤال الذي قد لا نحب سماع إجابته: كم شخصًا يصفّق لنجاحك اليوم، لكنه سيكتفي بمشاهدة سقوطك غدًا؟ وكم شخصًا يطلب منك الوفاء، دون أن يكون مستعدًا لتقديمه؟ والأهم… هل أنت حاضر في حياة الآخرين بالقدر الذي تنتظره منهم؟
فلا تغترّ بكثرة من يرونك؛ فالرؤية ليست اهتمامًا، والمتابعة ليست محبة، والتصفيق ليس وفاءً. قد تكون محاطًا بالجميع، لكن قيمتك الحقيقية تظهر فيمن لا يحوّلك إلى مشهد حين تنكسر، بل يراك إنسانًا يستحق أن يُصان، حتى في أكثر لحظاته ضعفًا.



