المقالات

هدمٌ بالتجاهل… وعقابٌ بالصمت

امل الزهراني ( اميرة الخواطر )

امل الزهراني ( اميرة الخواطر )

ليس كل صمتٍ حكمة، ولا كل تجاهلٍ قوة، فبعض الصمت أبوابٌ تُغلق في وجه المودة، وبعض التجاهل معولٌ يهدم ما عجزت عنه الخلافات.

ما أقسى أن يكون العقاب موجَّهًا إلى أكثر الناس احتواءً لك، إلى من كان يمنحك الأعذار قبل أن تطلبها، ويستر عثرتك قبل أن تعتذر، ويغفر زلاتك لأن قلبه كان أوسع من أخطائك. ويكون جزاؤه التجاهل، وكأن الوفاء أصبح تهمة، والصدق ذنبًا يستحق العقاب.

التجاهل لا يقتل العلاقة دفعةً واحدة، بل يسرق منها نبضها بهدوء. يبدأ برسالةٍ مؤجلة، ثم بصمتٍ طويل، ثم بغيابٍ لا تفسير له، حتى يجد القلب نفسه واقفًا على أطلال ما كان يومًا وطنًا للأمان.

وهناك صمتٌ لا يُسمع، لكنه يُثقل الروح بضجيج الأسئلة. يجعل الطرف الآخر يفتش في ذاكرته عن خطأٍ لم يرتكبه، ويستنزف نفسه بحثًا عن سببٍ لم يُقَل، فيحمل عبء العلاقة وحده، بينما يقف الطرف الآخر خلف جدارٍ من اللامبالاة، يظن أن الصمت انتصارًا، وما هو إلا بداية خسارةٍ لا تُرى إلا بعد فوات الأوان.

كم من علاقةٍ كانت جذورها ضاربةً في عمق المحبة، أسقطها صمتٌ طال، أو تجاهلٌ تمدد حتى ابتلع كل جميل. وكم من قلوبٍ لم تكسرها الكلمات، لكنها انكسرت حين غابت الكلمات.

فالأخوة، والصداقة، والحب، وروابط الأسرة، لا تنتهي دائمًا بخلافٍ كبير، بل قد تموت عطشًا إلى كلمة، أو تفسير، أو اهتمام.

ولأن الإنسان، مهما اتسع صدره، يبقى لقلبه حدٌ لا يحتمل بعده مزيدًا من الإهمال، فإن أكثر ما يهدم العلاقات ليس الخطأ ذاته، بل الإصرار على الصمت بعده، والتجاهل بعد الود، والغياب بعد الحضور.

فما أهون أن تهدم علاقةً بصمتٍ متعمد، وما أعسر أن تعيد الحياة إلى قلبٍ أطفأه التجاهل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى