اتباع الناس هو الضياع

الراسية الطويرقي
في دهاليز الحياة المتشابكة، يولد المرء حرًا بصفاء فطرته، كصفحة بيضاء لم تخطّها ألسن البشر، وكطائرٍ يملك المدى والرياح. غير أننا، وفي غمرة السعي وراء القبول، نقع في الفخ الأكبر، فخ المحاكاة والتبعية.
إن السير خلف عميان الحشود، والتنازل عن فرادة الروح لمجرد إرضاء جمعٍ لا يرضيه عجب، هو أولى خطوات الضياع. حين تطفئ سراج عَقلك لتستضيء بشعلة غيرك، وحين تبدّل نبرة صوتك الصادقة لتردد صدى كلماتٍ لا تشبهك، فإنك لا تكسب وداً، بل تخسر نفسك.
ليس أشدّ وطأة على النفس من أن تعيش عمراً مستعاراً، ترتدي فيه أقنعة مزيفة فُصِّلت لغيرك، وتسلُك دروباً لم تخترها قدمَاك، بل دُفعت إليها دفعاً خشية أن يُقال عنك مختلف.
إن الناس كالبحر المضطرب، إن حاولت مجاراته بلعتك أمواجه بلعًا، وإن جعلته بوصلتك تقاذفتك رياحه ذات اليمين وذات الشمال بلا رحمة. اليوم يرفعونك إلى عنان السماء، وغداً يهوون بك في وادٍ سحيق، فكيف يستقيم الظل والعودُ أعوج؟ وكيف تأمن لغدٍ يرسم ملامحه مزاج البشر المتلوّن؟
الضياع الحقيقي ليس أن تفقد الطريق، بل أن تفقد نفسك وأنت تبحث عن مكانٍ لك في قلوب الآخرين.
لذا عُد إلى محبرتك الأصيلة، واكتب سطور حياتك بمداد قناعاتك، لا بإملاءات عابري السبيل. قِف بثبات لو كنت وحدك، فالشجرة المثمرة تنبت وحيدة في الصحراء وتطاول السماء، بينما الأعشاب الطفيلية تموت متزاحمة تحت الأقدام. كن أنت بتموجاتك، بخصوصيتك، وبعقلِك الحر، فما خُلقنا لنكون نُسخاً مكررة، بل لنكون آياتٍ من طرازٍ فريد.




