Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

صمتٌ خلف الضجيج.. متى نتحرر من أقنعة الجميع؟!

رحمة الطويرقي

رحمة الطويرقي

نحن، أبناء هذا الزمن، لا نعيش فقط في عالمٍ مزدحم بالأصوات، إنما  في سوقٍ واسعٍ للتوقعات. منذ اللحظة التي نفتح فيها أعيننا على الحياة، نجد قائمةً طويلة من الأدوار كُتبت لنا قبل أن نختارها ، كن قويًا، كن ناجحًا، كن صبورًا، كن المبتسم الذي لا يغضب، والكتف الذي لا يميل.

نرتدي هذه الأدوار كما لو كانت جلدًا ثانـيًا، حتى يغدو التفريق بين حقيقتنا وما ينتظره الآخرون منا أمرًا بالغ الصعوبة. شيئًا فشيئًا، نتقن أداء الشخصية أكثر مما نتقن الإصغاء إلى ذواتنا.

وربما كانت المأساة أننا لم ننتبه إلى اللحظة التي بدأ فيها ذلك.

فالوجع الذي نتقاسمه جميعًا ليس وجعًا عابرًا، لكنه  اغترابٌ هادئ عن الذات. أصبح كثيرٌ منا يتنفس من خلال أعين الآخرين ، ويقيس قيمته بقدر ما يحظى به من إعجاب ، ويخشى أن تُسقطه كلمة نقدٍ واحدة. وهكذا استبدلنا الصدق بالتجميل ، والبساطة بالاستعراض ، والسكينة بالسعي الدائم إلى إثبات أننا بخير.

لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا: كم نسخةً حقيقيةً دفنّاها تحت ركام التوقعات ؟!

ولعل أخطر ما في الأقنعة أنها لا تُفرض علينا دائمًا، لكننا نصنعها بأيدينا. فالإنسـان ، في كثيرٍ من الأحيان ، لا يخشى فقدان نفسه بقدر ما يخشى رفض الآخرين له. لذلك يواصل التمثيل، حتى ينسى ملامحه الأولى.

انظروا إلى ذلك الموظف الذي يبتلع إهانته في صمت، ليس لأنه عاجز،  لكنه  يخشى أن يُوصم بالضعف.

وانظروا إلى تلك الأم التي تخفي تعبها خلف ابتسامةٍ متماسكة، فتؤجل دموعها إلى آخر الليل، خوفًا من أن يُقال إنها قصّرت.

وانظروا إلى أولئك الشباب الذين يطاردون صورةً مثالية في عالمٍ رقمي لا يعرف الرحمة، يرهقون أنفسهم بالمقارنات ، ويستنزفون أعمارهم ومواردهم ليقنعوا الجميع بأن حياتهم كاملة ، بينما أرواحهم تستغيث في صمت.

إننا نعيش فخًا جماعيًا ، يوهمنا بأن قيمتنا تُقاس بمدى توافقنا مع مقاييس المجتمع. لكن الحقيقة أن أكثر ما يستنزف الإنسان ليس التعب ، إنما التظـاهر. فحين يقضي عمره في أداء دورٍ لا يشبهه ، يفقد طاقته قبل أن يفقد أحلامه.

وليس الكمال الذي نلهث خلفه إلا وهمًا جميل المظهر، قاسي الأثر. إنه مقبرةٌ للإبداع، وعدوٌ للطمأنينة، وسجنٌ لكل روحٍ أرادت أن تعيش بعفويتها.

إن الوجع الذي يسكنني ويسكنك ليس دليل نقص، إنما  القاسم الإنساني المشترك بيننا جميعًا.

فلماذا نُصر على الاختباء خلف جدران التكلف ، وكأن الاعتراف بالتعب جريمة ؟!

ليس الانكسار عيبًا ، إنمـا  لحظة صدقٍ مع النفس.

وليس الاعتراف بالضعف استسلامًا، إنما  بداية التحرر.

المجتمع لن يتغير بين ليلةٍ وضحاها ، لكنه يبدأ بالتغير كلما قرر أحدنا أن يخلع قناعه. حين نجرؤ على أن نكون حقيقيين ، بأخطائنا ، وتعثراتنا ، ونقصنا الجميل، سنكتشف أننا لم نكن وحدنا يومًا. سنجد خلف كل وجهٍ متماسك قلبًا أنهكته محاولات الظهور بمظهر لا يشبهه، وروحًا كانت تنتظر من يمنحها الإذن بأن تكون كما هي.

يا رفاق الطريق…

لا تحرموا أنفسكم حقكم في الضعف ، ولا تجعلوا رضا الناس أثمن من سلامكم الداخلي. فالمكان الذي لا يتسع لحقيقتكم، لن يتسع يومًا لسعادتكم.

وربما لا يحتاج هذا العالم إلى مزيدٍ من الأشخاص الذين يجيدون ارتداء الأقنعـة ، بقدر ما يحتاج إلى أناسٍ يملكون شجاعة أن يكونوا كما هم.

فأثمن ما نملك ليس الصورة التي يراها الناس فينا،  إنمـا تلك الروح التي تواجه نفسها في صمـت ، دون تصفيقٍ أو أقنعة.

وهناك … أمام مرآتنا الداخلية ، يبدأ اللقاء الحقيقي مع الذات.

وقد لا يسقط القناع في يومٍ واحـد ، لكنه يسقط في كل مرة نختار فيها الصـدق مع أنفسنا ، ولو لم يصـفق لنا أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى