أتقن فن التغابي

فاطمة عواجي
يعجبني في الحياة أنني لم أعد أتعجل معرفة الناس، ولا أفتش كثيرًا خلف أقنعتهم؛ فقط أمنحهم مساحةً كافية… وهم يتكفلون بالباقي.
أُتقن فنّ التغابي، لا لأنني لا أفهم، بل لأنني أفهم أكثر مما ينبغي أحيانًا. أترك الشخص يتحدث، يناور، يستفز، يقترب حينًا ويبتعد حينًا، وأبدو أمامه وكأنني أتفاعل مع لعبته، بينما أنا في الحقيقة أراقب شيئًا آخر تمامًا: من يكون حين يظن أنني لم أكتشفه بعد؟
بعض الناس يخطئون في تفسير الاهتمام. لأنك تجيبهم يظنون أنك متاح، ولأنك تستمع إليهم يعتقدون أنهم مهمون، ولأنك لا تواجه كل تناقضاتهم يتوهمون أنك لم تلاحظ شيئًا.
ولا يعلمون أن بعض الردود ليست اهتمامًا… بل قراءة.
وأن بعض الأحاديث التي نطيلها ليست لأن الشخص استثنائي، بل لأننا نريد أن نعرف إلى أي مدى يستطيع أن يكشف نفسه إذا شعر بالأمان.
فالإنسان عندما يعتقد أنه ضمن مكانه لديك، يبدأ غالبًا في إسقاط الحذر، وحين يسقط الحذر تظهر الحقيقة.
لهذا لا يزعجني كثيرًا من يحاول استفزازي؛ بل أحيانًا أبتسم في داخلي، لأن الإنسان لا يجتهد في استفزاز شخص لم يؤثر فيه. ولو كنت عابرًا تمامًا في داخله، لما احتاج إلى إثبات شيء أمامي، ولا إلى انتزاع رد فعل مني.
الاستفزاز أحيانًا اعتراف غير مباشر بأن حضورك أصاب موضعًا ما بداخله.
ومن يراني مغرورة لأنني لم أمنحه المساحة التي يريدها، فربما لم يفهم أن الكرامة ليست غرورًا، وأن معرفة الإنسان لقيمته لا تعني احتقاره للآخرين.
بعضهم حين يعجز عن الوصول إليك لا يعترف بأنه لم يعرف الطريق، فيختصر المسألة كلها بكلمة: «مغرور».
ولا بأس.
فليفسر الناس حدودك بالطريقة التي تريحهم، المهم ألا تهدم أنت تلك الحدود كي تثبت لهم أنك شخص جيد.
والأكثر إثارة للتأمل هو ذلك الذي يبتعد عنك أو يغلق بابه، ثم يعيش إحساس المنتصر وكأنه حرمك منه. لا يدرك أن قدرتك على الوصول شيء، ورغبتك في الوصول شيء آخر تمامًا.
فليس كل باب لم نفتحه عجزنا عن فتحه.
بعض الأبواب نعرف جيدًا كيف نصل إليها، لكننا بعد أن نعرف ما خلفها… نفقد الرغبة في الطرق.
وأقسى ما يكشف الناس هو وقت حاجتنا.
حين تلجأ إلى إنسان بعد الله، فإنك تمنحه شيئًا أثمن من الحاجة نفسها؛ تمنحه ثقتك. فإذا استغل ضعف اللحظة ليشعرك أنك أصبحت ملكًا له، أو أن وقوفه معك أعطاه حق التحكم فيك، فقد أسقط بنفسه قيمة ما فعله.
فاليد التي تساعدك ثم تمنّ عليك لم تكن يدًا كاملة النبل، والقلب الذي يحتضن ضعفك ثم يستخدمه يومًا ضدك لم يكن مأمنًا منذ البداية.
نحن لا نملك الناس لمجرد أنهم احتاجوا إلينا.
ولا تصبح أسرارهم حقًا لنا لأنهم وثقوا بنا.
ولا تتحول وقفتنا معهم إلى صك يمنحنا السيطرة على حياتهم.
فالإنسان يُعرف حقًا بما يفعل بثقة الآخرين حين تصبح بين يديه.
وقد أسامح إنسانًا أخطأ في كلمة، أو موقف، أو تقدير… لكنني أتأمل طويلًا من لم يكن حريصًا على ثقة أقرب الناس إليه؛ لأن من استهان بثقة من عرفوا قلبه وأسراره وعاشوا تفاصيله، يجعلني أسأل نفسي بهدوء: أي أمان سأبحث عنه أنا عند شخص لم يحفظ أمان من كانوا أقرب؟
وهنا يصبح التغابي حكمة.
أعرف… وأتصرف كأنني لا أعرف.
ألاحظ التناقض… وأترك الحديث يستمر.
أرى المراوغة… ولا أفسدها على صاحبها.
ليس رغبةً في الانتقام، ولا كي أُسقط أحدًا في عيني؛ وإنما لأن الحقيقة التي يصل إليها الإنسان بنفسه أصدق من ألف مواجهة.
وأحيانًا يكفي أن تعطي الشخص مساحةً أكبر مما يستحق، حتى يريك بنفسه لماذا لم يكن يستحقها.
ثم يأتي أجمل قرار:
لا عتاب طويل، ولا معركة، ولا محاولات لإثبات أنك كنت أذكى منه.
فقط تعيد كل إنسان إلى حجمه الحقيقي في حياتك.
من يستحق الاستماع… تستمع إليه.
ومن يستحق الثقة… تأمن له.
ومن كشفته المواقف… لا تحتاج إلى فضحه، يكفي أنك عرفته.
لقد تعلمت أن الذكاء في العلاقات ليس أن تكشف أوراق الناس أمامهم، بل أن تعرف أوراقهم وتستمر هادئًا حتى تقرر أين تضعهم في حياتك.
فأنا لا أحتاج أن يعرف أحد أنني اكتشفته.
يكفيني أن أعرف أنا.
ولا أحتاج أن أثبت لمن حاول استفزازي أنه لم يهزني.
يكفيني أنني عرفت لماذا حاول.
ولا أحتاج أن أطرق باب من ظن أنه منعني من الوصول إليه.
يكفيني أنني حين عرفت ما خلف الباب… لم أعد أريده.
فنّ التغابي ليس أن تكون غافلًا عن الناس، بل أن تكون واعيًا بهم إلى الحد الذي يجعلك لا تحتاج إلى كشف كل ما تعرفه.
فبعض الناس لا نحتاج إلى إخراجهم من حياتنا بضجيج…
يكفي أن نتركهم يتحدثون قليلًا أكثر،
حتى يخرجوا من مكانتهم في قلوبنا بأنفسهم.



