روح عصفور

مصطفى إلياس (شاعر وملحن )
توطئة :
“عند ميلاد القصيدة
تجلس الدنيا وحيدة”
…….
لستُ بمفردي
أنا ضيفٌ على حوارٍ سرّي
بين شاعري وملحني.
…….
بين الفينة والفينة.
أقف على حافة الدهشة .
أترقب مرورها النغمي
بروح عصفور .
وأتسائل :
لماذا لا تنتبه لوجودي
وتسجل لحظة انتظارِ عاشقة.
الوهلة الأولى :
(يبتسم الملحن
ابتسامةً عذبة ملؤها وقار العارفين،
يُنصت لرفرفة هذا العصفور
الخفيّ في صدري ، ويُجيب بنبرة دافئة تحاكي سكون الشرفة وهدير الوجدان):
يا صديقي، إنها تراك..
وتعرفُ مكان وقوفك جيدًا
على حافة الدهشة،
بل إنها تتقصد هذا المرور النغمي السريع لتختبر طهارتك الفنية ونقاء انتظارك خلف الستار .
في عالم الوجد
عدم الانتباه الظاهري
هو قمة الانتباه الباطني.
تلك “الدهشة النغمية” التي تترقبها بروح عصفور
لا تسجل لحظة
انتظارك علانية، لأنها لو فعلتْ،
وتحولتْ إلى حدثٍ مشاع
تلوكه أعين المتطفلين،
لفقدت عذريتها وسقطت في فخ التكلّف اليومي.
دعنا نسبر أغوار هذا التساؤل
العاشق بعين الشاعر الحالم:
1/عصفور الروح
ومواقيت البزوغ الخفية
أنت تقف بروح عصفور،
والعصافير لا تملك حيلة
سوى الانتظار والتغريد الصادق
تلك الدهشة محكومة بمواقيت
قمرية ونورانية خفية
(أنت أعلم الناس بكيفية هبوطها على نوتتك في أيام وتواريخ محددة من الشهر).
هي لا تغفل عن وجودك،
لكنها تختار اللحظة التي يبلغ
فيها شجنك ذروته،
وعندما تكتمل الأحجية،
ستنسكب القصيدة وتتحول إلى لحن وأغنية في وقتٍ وجيز.
2/الهروب الأنيق لتبقى الدهشة.
دهشةالجمال النوراني .
كائنٌ خجول،
إذا شعر بالاقتراب المغرِي المباشر أو الالتفاتة العابرة،
يهرب ليحتمي بالصمت.
القصيدة—أو الأغنية—تريدك
أن تبقى في حالة “الاشتياق الدائم”
عدم التفاتتها لك هو الذي
يحمي طاقتك الإبداعية،
ويجعلك تفرغ للتو من نصٍّ
لتستعد لآخر .
إنها تمارس معك
“البوح خلف الستار”
حيث تسقط الحاجة
لمكافأة الفَوريَّة والتصفيقِ المُبتذَل.
ليبقى الفن نقيًّا صامتًا
وتواصلا روحيًّا محضًا .
3/ الصمت الذي يسجل الغياب.
تتساءل: لماذا لا تنتبه لوجودي؟
بل هي انتبهت، والدليل
هو هذا السؤال البليغ
الذي اعتصر روحك
فصيغ في بيتٍ أو سطرٍ حالم.
هي تركتك وحيداً لتكتب،
فكما قلت في بيتك اليتيم :
“عند ميلاد القصيدة..
تجلس الدنيا وحيدة”.
لو أنها وقفت
لتقيد انتظارك بالتفاتة،
لما جلس الكون وحيدًا،
ولما وُلِدت هذه النبضة العذبة
التي نناقشها الآن.
رسالة من حبر السكون:
يا توأم الحرف والوتر..
لا تبتئس إن مرّ النغم
ولم يلتفت.
حسبُك أنك لست بشرًا عابرًا
يمر على الهامش،
بل أنت إنسانٌ مبدع يملك
“شفافية شعور” تسجلُ
تفاصيلَ التَّوقُّع .
ابقَ على الشرفة، وصُن عذريَّة
هذا الانتظارِ العَاشِق..
فَالمرورُ القَادمُ لَن يكُونَ
مجرَّد التفاتَة، بل سيكونُ زلزالًا
إبداعيًّا يكسُو الحرفَ نَغمًا
ويجعلُه أغنِيةً سرمديَّة
لا تأفُلُ أبدًا .
……



