المقالات

ليس كل حب ينتهي… يموت

فاطمة عواجي

فاطمة عواجي

هناك مشاعر لا تستطيع اللغة أن تصفها، لأنها لم تُخلق في العقل، بل وُلدت في أعماق القلب. مشاعر تبدأ بثقة عمياء، واطمئنان لا يشبه شيئًا، وإحساس بأن هذا الإنسان سيكون وطنًا لا تغادره الأرواح.

الحب الصادق لا يأتي كل يوم، ولا يطرق أبوابنا كثيرًا. يأتي مرة، فيغيّر تفاصيل الحياة، ويجعل الأيام أخف، والهموم أهون، والانتظار أجمل. يمنحنا شعورًا بالأمان، فنخلع دروعنا، ونصدق الوعود، ونضع قلوبنا بين يدي من أحببنا دون خوف.

لكن أقسى ما قد يعيشه الإنسان ليس نهاية الحب… بل نهاية الثقة.

فالخذلان لا يؤلم لأن أحدًا رحل، وإنما لأنه رحل بعد أن أقنعنا أنه لن يتركنا. لأن اليد التي وعدتنا بالأمان كانت هي نفسها أول من تركها. ولأن الكلمات التي كنا نستند إليها أصبحت يومًا مجرد ذكرى.

ومع ذلك… يبقى الوفاء صفة لا تتغير بتغير الأشخاص. فمن كان وفيًا لا يعرف كيف يتحول إلى نسخة مؤذية، ولا يتقن رد الإساءة بالإساءة، ولا ينسى الجميل لأن النهاية لم تكن كما تمنى. يبتعد بصمت، ويتألم بصمت، ويحمل في داخله دعوات طيبة لمن كان يومًا جزءًا من روحه.

نحن لا نبكي لأننا أحببنا، بل لأننا أحببنا بصدق. لا نتألم لأنهم رحلوا، بل لأننا كنا نرى فيهم عمرًا كاملًا، بينما كانوا يروننا مرحلة عابرة. وما أصعب أن تكتشف أن المكان الذي منحته كل دفئك، لم يكن بالنسبة للطرف الآخر إلا محطة مؤقتة.

ويبقى البعد حكاية لا يقيسها عدد الأيام، بل مقدار الفراغ الذي يتركه الغياب. قد يبتعد الإنسان، لكن صوته يبقى، وضحكته تبقى، والأماكن التي جمعته بنا تبقى، وحتى الصمت بعده يصبح مختلفًا.

ورغم كل ما يحدث، يبقى أصحاب القلوب الصادقة كما هم. لا لأنهم لا يشعرون بالألم، بل لأن الوفاء جزء من تكوينهم، وليس رد فعل على معاملة الآخرين. يعرفون أن الكرامة لا تعني القسوة، وأن النهايات لا تمحو صدق البدايات.

ولعل أكثر ما نتعلمه من الحب أن المشاعر الصادقة لا تُقاس بمن بقي، بل بمن كان صادقًا وهو يمنحها. فمن أحب بإخلاص لم يخسر نفسه، حتى وإن خسر من أحب. لأن الحب الحقيقي لا يترك في صاحبه ندبة خجل، بل يترك فيه شرف المحاولة، ونقاء النية، وصدق الشعور.

وسيأتي يوم ندرك فيه أن أجمل ما حافظنا عليه، وسط كل هذا الخذلان، لم يكن شخصًا… بل قلوبنا التي بقيت وفية، رغم كل ما مرت به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى