دور الإيواء التي لا تحمل لافته

فاطمة عواجي
حين نسمع عبارة «دار الإيواء»، يذهب خيالنا فورًا إلى مبنى كبير، وغرفٍ تستقبل من ضاقت بهم الطرق، وأبوابٍ تُفتح لمن فقدوا مأوى يحميهم من البرد والخوف والوحدة.
لكن ماذا لو كانت أكبر دُور الإيواء في حياتنا لا تحمل لافتة على أبوابها؟
ماذا لو كان البيت دار إيواء، والأم دار إيواء، والأب دار إيواء، والأبناء دور إيواء صغيرة، والصديق مأوى، والحبيب سقفًا، وحتى الإنسان نفسه قد يكون آخر دار إيواء تبقى له حين تغلق الحياة أبوابها؟
فنحن لا نبحث دائمًا عن مكان نسكنه؛ أحيانًا نبحث عن إنسان نسكن إليه.
كم من شخص يملك بيتًا واسعًا، لكنه بلا مأوى! ينام بين أربعة جدران فاخرة، ومع ذلك يشعر أنه مشرّد من الداخل، لأنه لا يجد قلبًا يسمعه، ولا يدًا تربّت على كتفه، ولا صوتًا يقول له:
«أنا هنا… لا تخف.»
وكم من إنسان لا يملك من الدنيا إلا غرفة صغيرة، لكنها تتسع له ولأحزانه ولضحكته ولتعبه؛ لأن فيها أمًّا إذا عاد منهكًا عرفت من عينيه ما لم يقله لسانه، أو أبًا يشعر بوجعه قبل أن يشكو، أو زوجًا يحتوي ارتباكه، أو ابنًا صغيرًا يركض نحوه فينسى للحظة قسوة العالم.
هذه أيضًا دُور إيواء.
الأم ليست فقط امرأة أنجبتنا؛ إنها أول مأوى عرفناه قبل أن نعرف شكل العالم.
حملتنا في جسدها قبل أن تحملنا الحياة على أكتافها الثقيلة. وحين نكبر، نظن أننا استغنينا عن ذلك المأوى، حتى تضعفنا الأيام فنكتشف أن كلمة واحدة منها كانت تستطيع أن تعيد ترتيب فوضى كاملة في صدورنا.
والأب دار إيواء من نوع آخر. قد لا يجيد كثيرًا التعبير عن الحب، لكنه يقف في الخلف كجدارٍ لا نلتفت إلى قوته إلا حين يغيب. نتقدم في العمر، نملك المال والمناصب والبيوت، ثم ندرك متأخرين أن بعض الأمان كان رجلًا يجلس في زاوية البيت، وأن وجوده وحده كان يجعل الحياة أقلَّ خوفًا.
أما الأبناء، فنظن أننا نحن من نؤويهم، ولا ننتبه إلى أنهم في أوقات كثيرة هم الذين يؤووننا.
كم من أمّ قاومت انهيارها لأنها رأت أبناءها أمامها؟ وكم من أب ابتلع ألمه لأن هناك عيونًا صغيرة تنتظر منه الأمان؟ الأبناء أحيانًا لا يعرفون أنهم السبب الذي جعل والديهم ينهضون صباحًا بعد ليالٍ كان كل شيء فيها يدعوهم إلى السقوط.
إنهم دُور إيواء تمشي على قدمين، وتقول لنا دون أن تدري: ما زال في الحياة سبب يستحق البقاء.
والأصدقاء أيضًا قد يكونون مآوي. ذلك الصديق الذي تستطيع أن تقول أمامه: «أنا لست بخير» دون أن تخشى أن يستخدم ضعفك ضدك، دار إيواء. من يعرف أسوأ ما مررت به ثم لا يغيّر نظرته إليك، دار إيواء. ومن يستمع إلى حديثك المبعثر حتى النهاية، ولا يطالبك بأن تكون قويًا طوال الوقت، يمنح روحك سريرًا تستريح عليه ولو لدقائق.
لكن المؤلم أن بعضنا يحوّل دُور الإيواء إلى دُور طرد.
بيتٌ لا يحتمل أخطاء أبنائه. زوجٌ يجعل شريكه خائفًا من الكلام. قريبٌ يحفظ أسرارك ليستخدمها يوم الخصام. صديقٌ يفتح لك صدره ثم يغلقه حين تحتاجه. أبناءٌ يكبرون وينسون أن ظهرًا انحنى كي تستقيم ظهورهم. وأناسٌ يسألونك عن وجعك، لا ليحتووك… بل ليعرفوا أين يؤلمك الضرب أكثر.
هنا يصبح التشرد الحقيقي.
فالتشرد ليس دائمًا أن تنام على الرصيف؛
قد تنام إلى جوار شخص تحبه وتشعر أنك بلا وطن.
وقد تجلس وسط عائلتك وتشعر أنك غريب.
وقد تمتلك مئات الأرقام في هاتفك ولا تجد شخصًا واحدًا تستطيع الاتصال به حين تنكسر في منتصف الليل.
وقد تمتلئ حياتك بالناس، بينما روحك تبحث عن مأوى.
والأخطر من ذلك كله أن يفقد الإنسان مأواه داخل نفسه.
أن يصبح قاسيًا على ذاته، يجلدها على كل خطأ، ويحاكمها على كل سقوط، ويقارنها بالآخرين حتى يكرهها، ثم يبحث في الخارج عمن ينقذه من نفسه.
وهنا يجب أن نتعلم أن نكون لأنفسنا دار إيواء أيضًا.
أن نقول لها بعد الخسارة: سنبدأ من جديد. وبعد الخطأ: سنتعلم. وبعد الخذلان: لن نسمح لأحد أن يقنعنا أننا بلا قيمة. وبعد التعب: من حقنا أن نستريح.
فليس من العدل أن تمنح العالم كله اللطف، ثم تعود إلى نفسك بالسياط.
نحن جميعًا — مهما بدونا أقوياء — نحتاج إلى مكان لا نضطر فيه إلى الدفاع عن أنفسنا، ولا شرح حزننا، ولا تجميل حقيقتنا.
نحتاج إلى إنسان نقف أمامه بلا أقنعة، فنظل مقبولين.
نحتاج إلى بيت لا نخاف العودة إليه.
إلى والدين نشعر بقربهما أن العمر مهما تقدم بنا ما زال فيه شيء من الطفولة.
إلى أبناء يعرفون أن برّ الوالدين ليس هدية موسمية ولا رسالة في مناسبة، بل مأوى يُعاد إلى من آوانا يوم لم نكن نملك حتى القدرة على حماية أنفسنا.
إلى أصدقاء لا يجعلون الحب عقدًا مشروطًا بالكمال.
وإلى أنفس تعرف كيف تحتضن نفسها عندما يتأخر الجميع.
لهذا، لا تسأل فقط: أين دُور الإيواء؟
انظر حولك.
ربما أنت دار إيواء لوالدٍ يخشى أن يصبح عبئًا عليك.
ربما أنت دار إيواء لأمٍّ لا تطلب الكثير، لكنها تنتظر صوتك.
ربما أنت دار إيواء لابنٍ يبدو قويًا، بينما يخوض معركة لا تعرف عنها شيئًا.
ربما أنت دار إيواء لشريك حياة لا يريد منك حلولًا بقدر ما يريد قلبًا لا يغلق بابه.
وربما هناك إنسان في حياتك يعتبرك آخر مكان آمن في هذا العالم… فإياك أن تجعله يشعر بالتشرد وهو إلى جوارك.
في النهاية، أعظم البيوت ليست تلك التي تحمينا من المطر، بل تلك التي تحمينا من الانكسار.
وأجمل الأبواب ليست التي تفتح بالمفاتيح، بل التي تفتح لنا مهما أثقلتنا الحياة.
فكونوا لبعضكم دُور إيواء…
آووا خوف والديكم قبل أن يأتي يوم تبحثون فيه عن أصواتهم فلا تجدونها.
آووا أبناءكم قبل أن يبحثوا عن الأمان في المكان الخطأ.
آووا من تحبون قبل أن يتعلموا كيف يعيشون دونكم.
وآووا أنفسكم؛ لأن الإنسان قد يجد بعد رحلة طويلة أن آخر وطن يستطيع العودة إليه…
هو قلبه.



