علمية وتقنية

هل اقترب العلماء من قراءة الأفكار؟ تقنية تحول إشارات الدماغ إلى كلمات وحركات

إسراء الحرف | علمية وتقنية

في تطور علمي يفتح آفاقًا جديدة للتواصل بين الإنسان والآلة، نجح باحثون أمريكيون في تطوير نظام يعتمد على التعلم الآلي لتحويل إشارات الدماغ إلى كلام وحركات رقمية متزامنة، بما يمنح الأشخاص المصابين بالشلل الشديد فرصة للتعبير عن أنفسهم بطرق أقرب إلى التواصل البشري الطبيعي.

ويعيد هذا الإنجاز طرح سؤال طالما ارتبط بأفلام الخيال العلمي: هل اقترب الإنسان فعلًا من ابتكار تقنية تستطيع قراءة الأفكار؟

الإجابة العلمية أكثر تعقيدًا مما توحي به العبارة؛ إذ لا تستطيع الأنظمة الحالية معرفة كل ما يدور في عقل الإنسان، لكنها أصبحت قادرة، في ظروف تجريبية محددة، على تفسير أنماط من النشاط العصبي المرتبط بمحاولات الكلام والحركة.

تجربة علمية على ثلاثة أشخاص مصابين بالشلل

أجرى الدراسة فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو بقيادة البروفيسور إدوارد تشانغ، ونُشرت نتائجها في دورية «نيتشر نيوروساينس» (Nature Neuroscience) بتاريخ 14 سبتمبر 2026.

وشملت التجربة ثلاثة مشاركين يعانون شللًا شديدًا يؤثر في قدرتهم على الكلام، ويعاني اثنان منهم أيضًا شللًا شديدًا في الأطراف، بينما يعاني الثالث شللًا متوسطًا في الأطراف.

واعتمد الباحثون على واجهة تربط الدماغ بالحاسوب، تستخدم أقطابًا كهربائية مزروعة جراحيًا لتسجيل النشاط العصبي في مناطق مرتبطة بالكلام والحركة، ثم تولت نماذج حاسوبية مدربة تحليل الإشارات وتحويلها إلى أوامر تتحكم في شخصية رقمية افتراضية تمثل المستخدم.

ولم يقتصر النظام على محاولة استعادة الكلمات المنطوقة، بل امتد إلى ترجمة بعض الإشارات الحركية، مثل التلويح باليد أو رفع الإبهام، بالتزامن مع الكلام.

كيف تتحول إشارات الدماغ إلى كلام؟

يعتمد النظام على رصد النشاط الكهربائي الذي ينتجه الدماغ عندما يحاول الشخص نطق كلمات أو أداء حركات معينة. وتتعلم خوارزميات الذكاء الاصطناعي العلاقة بين هذه الإشارات والمحاولات التي يؤديها المشاركون خلال التدريب.

وبعد ذلك، يستخدم النظام الأنماط التي تعلمها لتوقع الكلام أو الحركة المقصودة وتحويلها إلى استجابة رقمية.

وتكمن أهمية هذه التقنية في أنها لا تتطلب نجاح الشخص في تحريك عضلات النطق أو الأطراف؛ إذ تستفيد من الإشارات العصبية المرتبطة بمحاولة أداء الفعل.

ومع ذلك، فإنها تحتاج إلى أجهزة متخصصة وتدريب، ولا تمثل وسيلة عامة لقراءة الأفكار من دون مشاركة الشخص المعني.

نتائج واعدة ولكنها ليست كاملة

أظهرت الدراسة أن النظام يستطيع التعامل مع محاولات الكلام والحركات في الوقت نفسه، وهو تحدٍّ تقني مهم؛ لأن الإشارات العصبية المرتبطة بالنشاطين قد تتداخل.

ووفقًا للمعاهد الوطنية للصحة الأمريكية، وصلت دقة النظام في بعض اختبارات تقليد الإيماءات المنفردة إلى 82%، بينما تراوحت بين 65% و70% عند الجمع بين الكلام والإيماءات في اختبارات محددة.

وفي مهام المحادثة، بلغت الدقة 75% على الأقل للكلام و85% على الأقل للإيماءات.

وتعكس هذه النتائج تقدمًا ملحوظًا في قدرة الأجهزة العصبية على دعم التواصل، لكنها لا تعني أن التقنية تعمل دون أخطاء أو أنها أصبحت جاهزة للاستخدام الطبي الواسع. كما أن اختلاف النتائج بين الاختبارات يؤكد ضرورة عدم تقديم نسبة واحدة باعتبارها مقياسًا شاملًا لقدرة الجهاز.

هل يمكن قراءة الأفكار الخاصة؟

يميز العلماء بين تفسير النشاط العصبي المرتبط بمحاولة الكلام وبين معرفة الأفكار الداخلية التي لا يرغب الإنسان في الإفصاح عنها.

فالدراسة الحديثة ركزت على تمكين أشخاص مصابين بالشلل من التعبير عن كلام وحركات يحاولون أداءها، وليس على استخراج محتويات عقولهم بصورة شاملة.

لكن أبحاثًا أخرى أظهرت أن بعض أنظمة واجهات الدماغ والحاسوب تستطيع فك جوانب من الكلام الداخلي في ظروف تجريبية، وهو ما يثير تساؤلات تتعلق بحماية الخصوصية العصبية.

وتبرز أهمية وضع وسائل للتحكم في تفعيل هذه الأنظمة وإيقافها، لضمان ألا تتحول التقنيات المصممة لمساعدة المرضى إلى وسائل تكشف معلومات لا يرغبون في مشاركتها.

أمل جديد للمصابين بالشلل

تمثل استعادة القدرة على التواصل أحد أهم الأهداف الطبية لهذه الأبحاث. فالأشخاص المصابون بأمراض عصبية متقدمة، أو بإصابات شديدة في جذع الدماغ، قد يحتفظون بقدرتهم على التفكير والفهم رغم فقدان القدرة على الكلام أو الحركة.

وتتيح واجهات الدماغ والحاسوب إمكانية بناء قنوات تواصل بديلة، تساعدهم على التعبير عن احتياجاتهم والمشاركة في المحادثات والتفاعل مع المحيطين بهم.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن الجمع بين الكلام والإيماءات قد يجعل التواصل أكثر طبيعية، لأن التعبير البشري لا يعتمد على الكلمات وحدها، بل يشمل الحركات والإشارات المصاحبة لها.

من المختبر إلى الاستخدام اليومي

رغم النتائج المشجعة، لا تزال هناك تحديات تحول دون الانتشار الواسع لهذه الأجهزة.

فالنظام المستخدم في الدراسة يعتمد على حساسات مزروعة جراحيًا واتصال سلكي بوحدات معالجة خارجية، ما يفرض متطلبات طبية وتقنية خاصة.

ويعمل الباحثون على تطوير نسخة لاسلكية قابلة للزرع بالكامل، بهدف تحسين سهولة الاستخدام وإتاحة فرص أكبر لتطبيق التقنية على المدى الطويل.

وستحتاج هذه الأنظمة إلى مزيد من الدراسات لتقييم سلامتها وفعاليتها واستقرار أدائها، فضلًا عن وضع ضمانات واضحة لحماية البيانات العصبية.

مستقبل التواصل بين الدماغ والآلة

تكشف هذه الأبحاث عن تحول تدريجي في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، إذ لم تعد واجهات الدماغ والحاسوب مقتصرة على التحكم البسيط في المؤشرات والأجهزة، بل بدأت تتجه نحو استعادة أشكال أكثر تعقيدًا من التواصل الإنساني.

ومع ذلك، يبقى الفارق كبيرًا بين ترجمة إشارات عصبية محددة وبين امتلاك القدرة على الاطلاع على أفكار الإنسان كاملة.

فالإنجاز الحقيقي الذي حققه العلماء حتى الآن ليس قراءة العقول كما تصورها أفلام الخيال العلمي، بل منح بعض الأشخاص الذين فقدوا القدرة على الكلام والحركة وسيلة جديدة ليُسمع صوتهم من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى