علماء يرصدون أدلة على وجود ثلاثة ثقوب سوداء نشطة داخل مجرة واحدة في الكون المبكر

إسراء الحرف – علمية وتقنية
كشف فريق من علماء الفلك عن أدلة رصدية تشير إلى وجود ثلاثة ثقوب سوداء ضخمة ونشطة داخل مجرة واحدة في الكون المبكر، في اكتشاف يسلط الضوء على الكيفية التي ربما نمت بها الثقوب السوداء خلال المراحل الأولى من تاريخ الكون.
وتستند النتائج إلى دراسة علمية حملت عنوان BlackTHUNDER: Evidence of three massive black holes in a z ∼ 5 galaxy، واعتمد الباحثون فيها على بيانات تلسكوب جيمس ويب الفضائي لتحليل مصادر الضوء وحركة الغاز في المجرة البعيدة.
مجرة بعيدة ومرحلة مبكرة من تاريخ الكون
يرصد علماء الفلك هذه المجرة كما كانت قبل مليارات السنين، لأن الضوء يحتاج إلى وقت هائل للوصول إلى الأرض. ويمنحهم ذلك فرصة لدراسة نشأة المجرات والثقوب السوداء في فترة مبكرة، حين كانت البنى الكونية الكبرى لا تزال تتطور.
ويكتسب وجود ثلاثة مصادر يُحتمل ارتباطها بثقوب سوداء نشطة داخل مجرة واحدة أهمية خاصة؛ إذ قد يشير إلى تاريخ معقد من التفاعلات والاندماجات المجرية، أو إلى نمو متزامن لأكثر من ثقب أسود في النظام نفسه.
ثقبان متقاربان وثالث أبعد عنهما
بحسب النتائج البحثية المتداولة، يقع اثنان من مصادر النشاط قرب مركز المجرة، وتفصل بينهما مسافة تُقدّر بنحو 620 سنة ضوئية، فيما يوجد مصدر ثالث على مسافة أكبر. ورغم أن هذه المسافات هائلة بالمقاييس الأرضية، فإنها تُعد صغيرة نسبيًا عند الحديث عن بنية المجرات.
ويثير التقارب بين المصدرين المركزيين تساؤلات بشأن تطورهما على المدى البعيد، وإمكان تأثرهما المتبادل بالجاذبية. لكن الحديث عن اندماج مستقبلي يظل سيناريو نظريًا، لا حدثًا رُصد بالفعل.
كيف تكشف أجهزة جيمس ويب عن الثقوب السوداء؟
لا تُرى الثقوب السوداء مباشرة في الصور الفلكية المعتادة؛ لأن الضوء لا يستطيع الإفلات من داخل أفق الحدث. لكن يمكن للعلماء الاستدلال على وجود ثقب أسود نشط من الإشعاع الصادر عن الغاز الذي يقترب منه ويسخن إلى درجات مرتفعة، وكذلك من خصائص الخطوط الطيفية للغاز المحيط.
وتتيح أجهزة التحليل الطيفي في تلسكوب جيمس ويب دراسة هذه الإشارات حتى في المجرات شديدة البعد. ومن خلال مقارنة أطياف الضوء ومواقع مصادره، يستطيع الباحثون اختبار فرضية وجود أكثر من ثقب أسود نشط بدلًا من مصدر واحد.
لماذا يهم العلماء وجود ثلاثة ثقوب سوداء؟
من الأسئلة الأساسية في علم الفلك الحديث كيفية وصول بعض الثقوب السوداء إلى كتل ضخمة خلال وقت مبكر نسبيًا من عمر الكون. وتشمل التفسيرات المطروحة النمو السريع عبر ابتلاع الغاز، واندماج الثقوب السوداء عقب تفاعل المجرات، أو اجتماع أكثر من آلية على مدى فترات طويلة.
وقد تساعد الأنظمة التي تضم أكثر من ثقب أسود نشط في اختبار هذه التفسيرات؛ لأنها توفر أدلة على البيئة التي تنمو فيها الثقوب السوداء وعلى التفاعلات التي تحدث بين المجرات ومراكزها.
هل يعني ذلك رصد اندماج وشيك؟
لا. إن وجود ثقوب سوداء متقاربة نسبيًا لا يعني أنها ستندمج قريبًا وفق المقاييس الزمنية البشرية. فالتطور المداري والتفاعلات الجاذبية والغاز المحيط كلها عوامل تؤثر في مصير النظام، وقد تمتد العمليات المحتملة لملايين أو مئات الملايين من السنين.
وعندما تندمج الثقوب السوداء بالفعل، تتوقع النسبية العامة انبعاث موجات جاذبية، وهو مجال تعمل مراصد أرضية وفضائية على تطوير وسائل أدق لدراسته.
أدلة رصدية تحتاج إلى دراسات متابعة
يشير عنوان الدراسة نفسه إلى «أدلة» على وجود ثلاثة ثقوب سوداء، وهي صياغة علمية مهمة؛ إذ تتطلب التفسيرات الفلكية المعقدة اختبار البدائل المحتملة ومتابعة الرصد. وقد تتيح دراسات لاحقة تحسين تقديرات كتل المصادر والمسافات بينها، وفهم العلاقة بين نشاطها وتطور المجرة المضيفة.
ولا تعني هذه النتائج أن تلسكوب جيمس ويب التقط صورة مباشرة لثلاثة ثقوب سوداء بأقراص مضيئة كما تُظهر الرسوم الفنية؛ فهذه الرسوم تمثيلات بصرية توضيحية، بينما تستند الاستنتاجات العلمية إلى تحليل بيانات الرصد.
نافذة على أسرار الكون المبكر
يفتح هذا الاكتشاف مجالًا أوسع لدراسة المجرات التي قد تستضيف أكثر من ثقب أسود نشط، ويساعد العلماء على اختبار النماذج التي تشرح نمو الثقوب السوداء فائقة الكتلة. ومع استمرار عمل جيمس ويب، قد تظهر أنظمة أخرى مشابهة تعيد رسم الصورة العلمية لتطور المجرات في بدايات الكون.
المصدر العلمي: دراسة BlackTHUNDER: Evidence of three massive black holes in a z ∼ 5 galaxy المنشورة في مجلة Astronomy & Astrophysics. وتُعرض النتائج بوصفها أدلة رصدية، لا تصويرًا مباشرًا للثقوب السوداء.



