لكل إنسان توقيته الخاص

صباح حسن
هناك أشياء كثيرة في الحياة لا نستطيع أن نُسرّعها مهما حاولنا، ولا أن ننتزعها من أيدي الأيام قبل أن يحين موعدها. الزواج، الشفاء، الوظيفة، الرزق، تحقيق الأحلام،
وحتى بعض الأمنيات التي نعتقد أن الوقت قد تجاوزه
ومع ذلك، نعيش تحت ضغطٍ مستمر يجعلنا نشعر أن علينا أن نصل في وقتٍ محدد، وأن نتزوج في عمرٍ محدد، وأن نحصل على وظيفة قبل أن نتجاوز عمرًا معينًا، وأن نتعافى من أحزاننا بسرعة، وكأن للحياة جدولًا واحدًا يجب على الجميع أن يسيروا عليه.
المؤلم ليس دائمًا تأخر الشيء، بل نظرة الآخرين إلى هذا التأخر.
قد يكون الإنسان راضيًا بما كتبه الله له، صابرًا، يسعى دون تذمر، ويؤمن أن ما لم يأتِ بعد لم يحن وقته. ثم يأتيه سؤال عابر: متى الزواج؟ لماذا لم تتوظف إلى الآن؟ ألم تجد فرصة مناسبة؟ متى ستتعافى؟ ماذا تنتظر؟
أسئلة قد تبدو بسيطة لمن يقولها، لكنها أحيانًا تقع على قلب شخص أمضى أيامًا طويلة يحاول أن يكون بخير.
هناك من ينتظر شريك حياته، لا لأنه لم يجد من يتقدم إليه، ولا لأنه يرفض الحياة، وإنما لأنه يؤمن أن الشراكة ليست سباقًا، وأن الإنسان المناسب لا يأتي لمجرد أن العمر وصل إلى رقم معين.
وهناك من ينتظر وظيفة ظل يبحث عنها طويلًا. يرسل سيرته الذاتية، ويجتهد، ويطرق الأبواب، ثم يعود كل مساء وفي داخله سؤال: متى يأتي دوري؟ ومع ذلك، لا يزال يحاول، ولا يزال يؤمن أن رزقه لن يخطئ طريقه إليه.
وهناك من ينتظر الشفاء. يبتسم أمام الناس، بينما يخوض في داخله معركة لا يعرف تفاصيلها أحد. لا يحتاج إلى من يسأله لماذا لم تتجاوز الأمر بعد، بل يحتاج إلى من يفهم أن بعض الجروح لا تُشفى لأن الآخرين قرروا أن وقت الشفاء قد حان.
نحن ننسى أحيانًا أن الإنسان لا يستطيع أن يجبر الحياة على إعطائه ما لم يحن وقته.
لا يمكن أن يأتي الشريك قبل أن تلتقي الطرق التي كتب الله لها أن تلتقي. ولا يمكن أن تأتي الوظيفة المناسبة قبل أن تنضج الظروف التي ستجعلها مناسبة. ولا يمكن للقلب أن يتعافى بأمرٍ من الآخرين. وحتى الأحلام، مهما استعجلناها، لها أبواب لا تُفتح إلا عندما يحين وقتها.
ولهذا، ربما علينا أن نتوقف عن معاملة العمر وكأنه مقياس لكل شيء.
العمر يخبرنا كم سنة عشنا، لكنه لا يخبرنا متى سنلتقي بمن نحب، ولا متى سنجد المكان الذي يشبهنا، ولا متى ستنتهي مرحلة الألم، ولا متى سيأتي النجاح الذي انتظرناه.
قد يتزوج أحدهم في عمر يراه الناس “مبكرًا”، وآخر في عمر يراه الناس “متأخرًا”، وكلاهما قد يكون في التوقيت الصحيح تمامًا بالنسبة لحياته.
قد يجد شخص وظيفته الأولى في بداية شبابه، بينما يحتاج آخر إلى سنوات من المحاولات حتى يصل إلى العمل الذي يناسبه فعلًا. وقد يشفى إنسان من تجربة خلال أشهر، بينما يحتاج آخر إلى سنوات حتى يستطيع أن ينظر إلى ما حدث دون أن يؤلمه.
فمن قال إن علينا جميعًا أن نصل في الوقت نفسه؟
الحياة ليست سباقًا، ولسنا نسخًا متطابقة حتى تكون لنا المواعيد نفسها.
ربما الشيء الذي نراه تأخرًا هو في الحقيقة حماية. وربما الباب الذي لم يُفتح رغم كثرة طرقنا عليه، كان إغلاقه رحمة لا نفهمها الآن. وربما الشخص الذي لم نلتقِ به بعد، والوظيفة التي لم نحصل عليها، والشفاء الذي لم يكتمل، كلها أشياء تتشكل في الخفاء حتى تأتي إلينا بالصورة التي تناسبنا، لا بالصورة التي استعجلناها.
ولذلك، ليس كل انتظار فراغًا.
أحيانًا يكون الانتظار مرحلة من مراحل البناء.
في الوقت الذي تظن فيه أنك لا تتقدم، قد تكون تتغير. تتعلم، وتنضج، وتفهم نفسك أكثر، وتعرف ما الذي يناسبك وما الذي لا يناسبك. وربما حين يأتي الشيء الذي انتظرته طويلًا، ستكتشف أنك كنت تحتاج كل تلك الفترة لتكون مستعدًا له.
ليس المطلوب أن يتوقف الإنسان عن السعي بحجة أن وقته سيأتي بل أن يسعى دون أن يحوّل الانتظار إلى جلدٍ للذات.
أن يبحث عن عمل، دون أن يشعر أنه أقل من غيره لأنه لم يجده بعد.
أن يرغب في الزواج، دون أن يعتقد أن عدم حدوثه حتى الآن يعني أن فيه نقصًا.
أن يتمنى الشفاء، دون أن يشعر بالذنب لأنه لم يتجاوز ألمه بالسرعة التي يريدها الآخرون.
أن يحلم، دون أن يقيس قيمة حلمه بعدد السنوات التي مرت.
نحن لا نتأخر عن حياتنا.
نحن نعيشها بالطريقة التي كُتبت لنا، خطوةً بعد خطوة.
وما دام الإنسان يسعى، ويحاول، ويحافظ على قلبه من اليأس، فليس عليه أن يعتذر لأحد عن توقيته.
لا أحد يعرف ما بينك وبين الله، ولا يعرف كم مرة حاولت، ولا كم بابًا طرقت، ولا كم ليلة قاومت فيها شعورك بأنك متأخر عن الجميع.
لذلك، دعهم يتحدثون عن العمر، والمواعيد، والمقارنات.
أما أنت، فاعرف أن لكل شيء موعدًا لا تستطيع استعجاله ولا تأخيره.
ليس هناك إنسان متقدم على حياته، ولا إنسان متأخر عنها. هناك إنسان يعيش توقيته الخاص.
وسيأتي ما تنتظره حين يكون مجيئه خيرًا لك، لا حين يقرّر الناس أنه كان يجب أن يأتي.
وحتى ذلك الحين، لا تجعل الانتظار يحرمك من الحياة.
عِش.
تعلّم.
اسعَ.
أحب.
تعافَ على مهل.
وابنِ نفسك في الطريق.
فربما أجمل ما في بعض الأمنيات ليس أنها تأخرت، بل أنها جاءت في اللحظة التي أصبحنا فيها مستعدين لأن نعرف قيمتها.
الكاتبة :صباح حسن



