المقالات

بلاغة العجز

وفاء احمد

وفاء احمد

 

من أطرف ما في بعض النقاشات أن تدخلها بفكرة فتخرج منها وأنت تتساءل: هل كانت تقرأ ما كتبت أصلًا، أم كانت تكتب ردًا محفوظاً منذ سنوات وتنتظر فقط أن تجد له مناسبة؟

ثمة ردود لا تناقش الفكرة، بل تناقش نسخةً متخيَّلة منها
تأخذ كلامك
تنزع منه معناه
وتضع مكانه معنى من عندها
ثم تبدأ بكل ثقة في تفنيد شيء لم تقله.

وهذه موهبة لا يُستهان بها

أن تصنع خصما من الورق ثم تنتصر عليه.

أن تهزم رأياً لم يُطرح.

أن تجيب عن سؤال لم يُسأل.

ثم تنتظر أن يصفق لك أحد.

وحين يعجز الرد عن الوصول إلى صلب الفكرة، يبدأ الطواف حولها
مرةً بالتلميح
ومرةً بالتذاكي
ومرةً بعبارة تبدو مهذبة من الخارج
بينما تحمل في جيبها الصغير إبرةً للوخز.

والأطرف أن صاحبها يظن أن دسّ السم في العسل يجعل السم أقل سمّية.

لا يا اعزائي ، العسل لا يغيّر طبيعة السم
كما أن الابتسامة لا تحوّل السخرية إلى حكمة.

المشكلة ليست في الاختلاف
الاختلاف يحتاج عقلًا حاضراً، أما المراوغة فتحتاج فقط إلى كثير من الثقة وقليل من الموضوع

ولهذا يصبح التلميح أحيانا ملجأ من لا يملك شجاعة التصريح، ويصبح الغموض ستاراً من لا يملك وضوح الحجة.

فحين لا تجد ما تقوله للفكرة، لا بأس أن تغيّر الموضوع، وأن تعيد تعريف كلام خصمك، وأن تخوض معركة كاملة مع شيء لم يقله.

المهم أن تعود في النهاية منتصراً ولو على نفسك.
والحقيقة أن أضعف الردود هي تلك التي تحتاج إلى كل هذا الالتفاف كي تبدو قوية.
فالحجة الجيدة لا تحتاج إلى مكياج
والرد الذكي لا يحتاج إلى غمز
والاختلاف الناضج لا يحتاج إلى دسّ السم بين حبات السكر.
أما حين يصبح الرد مجرد استعراض لغوي للهروب من أصل الكلام، فالأفضل أن تتركه يكمل
فكلما أطال صاحبه الشرح، تكفّل هو بكشف ما حاول أن يخفيه
فبعض المرايا لا تعكس الوجه فحسب، بل تكشف مقدار الزيف الذي حاول صاحبه أن يجمّله..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى