المقالات

ما لاتراه في الناس

فاطمة عواجي

فاطمة عواجي

من أخطر أوهامنا أننا نظن أن الإنسان هو ما نراه منه فقط؛ وجهٌ هادئ، كلمةٌ عابرة، موقفٌ قصير، أو تصرفٌ لم يعجبنا. نلتقي به لدقائق، ثم نمنح أنفسنا حق إصدار حكمٍ على حياةٍ كاملة لم نعش منها يومًا واحدًا.
نرى ملامحه، ولا نرى معاركه. نسمع صوته، ولا نسمع الضجيج الذي يسكن صدره. نحكم على صمته، ولا نعرف كم كلمةً ابتلعها كي لا ينهار. نلوم تغيّره، ولا نسأل أنفسنا: ماذا فعلت به الحياة حتى أصبح هكذا؟
هذا الذي بدا غاضبًا أمامك، ربما خرج للتو من باب مستشفى يحمل خبرًا أثقل من قلبه. وذاك الصامت، ربما ينتظر قرارًا سيغيّر ما تبقى من عمره. وهذا الذي لم يبتسم لك، ربما استيقظ صباحًا على فقد عمله أو ضيق رزقه. وآخر تراه أنيقًا، هادئًا، يضحك بين الناس، بينما يعود في الليل إلى ديونٍ تقلقه، أو مرضٍ يخفيه، أو غائبٍ يشتاق إليه، أو فقدٍ لم يتعلم بعد كيف يتعايش معه.
الحياة لا تكتب أحزان الناس على جباههم.
ولهذا نظلم بعضنا كثيرًا؛ لا لأننا بالضرورة قساة، ولكن لأننا نرى اللحظة ولا نعرف الحكاية التي سبقتها. نقول: تغيّر فلان ولا نعرف كم مرة كسرته الأيام حتى تغيّر. نقول: أصبح قاسيًا. ولا ندري كم مرة اضطر أن يقسو على نفسه كي يبقى واقفًا. نقول: ابتعد. ولا نفكر أن الإنسان أحيانًا لا يبتعد كراهيةً لأحد، بل لأن داخله أصبح مزدحمًا بما يكفي، ولم يعد يحتمل وجعًا جديدًا.
خلف كل إنسان عالمٌ كامل لا يظهر للعيون؛ بابٌ أُغلق في وجهه ولم يخبر أحدًا، شخصٌ ينتظر عودته ولن يعود، خوفٌ يسكنه، أمنيةٌ تأخرت، دعاءٌ يكرره كل ليلة، أو وجعٌ قديم أتقن إخفاءه حتى ظنه الناس عافية.
وهنا تحديدًا يصبح اللطف حكمة، لا مجرد خُلق جميل.
فاللطف هو أن تدرك أن معرفتك بالناس ناقصة، وأنك لا تعرف حجم ما يحملونه في قلوبهم. هو أن تخفف نبرتك قبل أن تجرح، وأن تؤجل عتابًا قد لا يحتمله قلبٌ منهك، وأن تلتمس عذرًا قبل أن تصدر حكمًا، وأن تمر على أرواح الآخرين دون أن تضيف إليها خدشًا جديدًا.
قد لا تستطيع أن تسدد دين أحد، ولا أن تشفي مرضه، ولا أن تعيد إليه من فقد، ولا أن تحل معركته التي يخوضها وحده؛ لكنك تستطيع شيئًا قد يكون أعظم مما تتصور: ألا تكون أنت معركةً أخرى في يومه.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من ينقذه؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى شخصٍ لا يؤذيه. إلى كلمةٍ لينة، ووجهٍ بشوش، وعذرٍ جميل، ومساحةٍ آمنة لا يُطالب فيها بشرح ما لا يستطيع شرحه.
ومع مرور العمر ندرك أن أكثر الأحكام التي أصدرناها على الآخرين كانت ستتغير لو عرفنا القصة كاملة. فكم من إنسان حسبناه باردًا وكان يحاول فقط ألا يبكي، وكم من شخصٍ ظننّاه قويًا بينما كان يتمسك بآخر خيطٍ يبقيه واقفًا، وكم من ابتسامةٍ أخفت خلفها قلبًا لم يعد فيه موضعٌ لوجع جديد.
لذلك، حين لا تعرف ما الذي يواجهه الآخرون، اختر اللطف. فربما كان الذي أمامك يعيش أقسى أيام حياته بصمت، وربما كانت كلمتك العابرة هي الشيء الجميل الوحيد الذي حدث له في ذلك اليوم.
نحن جميعًا عابرون في طرق بعضنا بعضًا؛ نلتقي، نفترق، ونترك خلفنا أثرًا قد لا نراه أبدًا.
فليكن مرورنا خفيفًا، وكلماتنا رحيمة، وأحكامنا أقل قسوة.
فأجمل أثرٍ يتركه الإنسان حين يقول الناس: «مرَّ من هنا… ولم يؤذني.»،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى