المقالات

أكثر مما ينبغي

وفاء احمد

وفاء احمد

يبدو أن هناك سوء فهم طويلًا بين العفوية والحمق الاجتماعي، حتى صار بعضهم يخلط بينهما كما لو أن الفارق لا يتجاوز حسن النية.
يُفرط في المزاح، ويقتحم المسافات، ويقول ما يخطر في رأسه، ويعامل الحدود الشخصية كأنها اقتراح قابل للتفاوض، ثم يعود سعيدًا إلى بيته مقتنعًا أنه كان (على طبيعته)
وهنا تكمن الكارثة الصغيرة.
فالناس لا يجتمعون على حب كل ما هو عفوي. قد يحبون خفة الروح، ثم يتعبون من صاحبها حين تتحول خفته إلى ثقل. وقد يعجبهم انفتاح الشخص، ثم ينفرون حين يكتشفون أن الانفتاح عنده يعني أن كل شيء مباح.
هناك فرق بين أن تكون مريحًا، وأن تكون مستهلكًا لراحة الآخرين.
وفرق آخر بين رحابة الصدر، وغياب الصدر أصلًا.
أن تتقبل المزاح لا يعني أن تجعل نفسك مادةً دائمة له. وأن تسامح التجاوز لا يعني أن تمنحه إقامةً دائمة. وأن تكون لطيفًا لا يعني أن تستقبل كل كلمة بوجهٍ مبتسم، ثم تتساءل في المساء لماذا يستهين بك الناس.
العفوية، حين تفقد وعيها، تتحول إلى نوع من الفوضى الشخصية.
يصبح صاحبها كمن يدخل كل غرفة بالطريقة نفسها، ثم يغضب لأن الغرف ليست متشابهة.
وفي العلاقات تحديداً، لا تصنع كثرة التلقائية الألفة دائما؛ أحياناً تصنع الاعتياد، والاعتياد إذا زاد عن حده أكل شيئًا من الهيبة، وأسقط الحواجز التي كان ينبغي أن تبقى قائمة.
حتى البحر، على سعته، له شاطئ.
أما أن تترك للآخرين حرية الوصول إليك في كل وقت، والتعليق عليك في كل شيء، والمزاح معك في كل مقام، ثم تتوقع أن تزداد محبتهم لك كلما قلّت حدودك، فهذه نظرية لطيفة جدًا… لكنها لا تعمل في الحياة إلا على الورق.
المفارقة أن الإنسان قد يفتح أبوابه طلباً للمحبة، ثم يكتشف أن كثرة الدخول أفقدت البيت خصوصيته.

المسافة ليست دائماً جفاءً.

أحياناً تكون المسافة هي الطريقة الوحيدة التي يرى بها الآخرون قيمتك.

فالعفوية جميلة حين يصاحبها وعي، ورحابة الصدر نبيلة حين تسندها كرامة. أما حين يتحول الاثنان إلى تصريح مفتوح للآخرين، فسرعان ما تتحول المحبة المنشودة إلى نفور صامت.

ولا شيء أكثر سخرية من شخص قضى سنوات يثبت للناس أنه (مريح جدًا)ثم أمضى السنوات التالية يتساءل لماذا لم يعد أحد يحسب له حساباً ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى