حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن

د.منى يوسف الغامدي
في زمن أصبحت فيه الأرقام هي اللغة الأكثر صدقًا في قياس الإنجاز، جاءت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان، أمير منطقة المدينة المنورة حفظه الله، للحفل الختامي لاستعراض منجزات الخطة التشغيلية لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، بحضور معالي رئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالرحمن السديس، لتؤكد أن خدمة ضيوف الرحمن لم تعد عملًا موسميًا، بل أصبحت منظومة مؤسسية متكاملة تُدار وفق مؤشرات أداء دقيقة، وتُقاس نتائجها بالأثر الذي تتركه في تجربة ملايين المسلمين القادمين إلى الحرمين الشريفين.
ولم يكن الحفل مجرد مناسبة بروتوكولية، بل منصة وطنية لاستعراض قصة نجاح متكاملة، حملها التقرير الختامي للخطة التشغيلية لموسم حج 1447هـ، والذي وثق رحلة عمل امتدت من موسم رمضان وحتى ختام موسم الحج، كاشفًا عن حجم الجهد الذي بذلته الرئاسة لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في الارتقاء بالخدمات الدينية والإثرائية.
وأجمل ما في هذا التقرير أنه لم يعتمد لغة الإنشاء، وإنما جعل الأرقام تتحدث. فأكثر من 12 مليون مستفيد تلقوا خدمات دينية وإثرائية، فيما تجاوز عدد المواد الإرشادية 193.8 ألف مادة بلغات متعددة، وأسهم المحتوى الإعلامي والتوعوي في تحقيق أكثر من 7 ملايين مشاهدة، في مؤشر واضح على نجاح الرئاسة في توظيف الإعلام الرقمي لإيصال الرسالة الوسطية للدين الحنيف.
وكلمة حق تُقال؛ ليست كل التقارير سواء، فبعضها يكتفي برصد الأنشطة، وبعضها يصنع ذاكرة وطن. ومن هذا النوع جاء التقرير الختامي للخطة التشغيلية لرئاسة الشؤون الدينية، وشهد هذا الحفل عدد من أصحاب المعالي، وفضيلة المشايخ، والمسؤولين، وشركاء النجاح، فلم يكن هذا الحفل احتفاءً بنهاية موسم، بل كان احتفاءً بمنهج عمل جديد، عنوانه أن الإنجاز يُقاس بالمؤشرات، ويُوثق بالأرقام، ويُبنى بالشراكات.
لقد رسخت رؤية المملكة 2030 ثقافة مؤسسية تقوم على قياس الأثر، ولم تعد لغة التقارير تعتمد على الوصف والإنشاء، وإنما أصبحت تستند إلى البيانات الدقيقة ومؤشرات الأداء. وهذا ما جسدته رئاسة الشؤون الدينية في تقريرها لمنظومة عمل احترافية امتدت من التخطيط إلى التنفيذ، ومن المبادرة إلى التقييم.
ولأن النجاح لا يتحقق إلا بمنظومة بشرية مؤهلة، فقد سخرت الرئاسة 684 كفاءة من الأئمة والمؤذنين والمدرسين والمترجمين والمرشدين والمتطوعين والموظفين، عملوا ضمن منظومة متكاملة مدعومة ببنية تشغيلية شملت 150 موقعًا للإرشاد، و35 شاشة تفاعلية، وعشرات التجهيزات الميدانية التي أسهمت في تقديم خدمات نوعية تواكب أعلى معايير الجودة.
غير أن الرقم الأكثر دلالة هو 96.9% نسبة الإنجاز الكلية، وهي نسبة لم تتحقق صدفة، وإنما جاءت بفضل الله نتيجة إدارة احترافية تابعت 192 مؤشر أداء، ونفذت 69 مبادرة، اكتمل منها 51 مبادرة بنسبة 100%، بينما تجاوزت بقية المبادرات نسب الإنجاز المستهدفة. إنها أرقام تؤكد أن العمل المؤسسي في الشؤون الدينية أصبح يعمل وفق منهجية التخطيط الاستراتيجي، والحوكمة، وإدارة الأداء، والتحسين المستمر، بتوجيهات معالي رئيس الشؤون الدينية، فضيلة الشيخ عبدالرحمن السديس، الذي يؤكد في كل اجتماعاته مع فرق العمل على تحري معايير الجودة والإتقان، واستشعار عظم الأمانة التي أُلقيت على عاتقنا في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن.
ومن أجمل مشاهد الحفل، تكريم شركاء النجاح من الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية، حيث تفضل صاحب السمو الملكي أمير منطقة المدينة المنورة بتكريمهم، في رسالة تؤكد أن خدمة ضيوف الرحمن مسؤولية وطنية تشاركية، وأن الإنجاز الحقيقي هو الذي تتكامل فيه الجهود، وتتحد فيه المؤسسات، وتتقاسم فيه الجهات شرف خدمة الحرمين الشريفين.
لقد أثبتت رئاسة الشؤون الدينية، بقيادة معالي الشيخ السديس، أن الرسالة الدينية يمكن أن تُدار بأعلى معايير الاحتراف المؤسسي، وأن القدسية لا تتعارض مع الحوكمة، بل تزداد بها رسوخًا، وأن خدمة الحرمين الشريفين لم تعد مجرد أداء لمهام موسمية، وإنما أصبحت صناعة وطنية متكاملة، تتحدث بلغة الجودة.
هذا التقرير الختامي كان وثيقة وطنية تؤرخ لمرحلة جديدة من التميز المؤسسي في خدمة ضيوف الرحمن، وتؤكد أن المملكة، بقيادة سيدي خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين، تمضي بثبات نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030 التي تحول الأرقام إلى شواهد، والمؤشرات إلى قصص نجاح، والإنجاز إلى ثقافة راسخة، تليق برسالة الحرمين الشريفين ومكانة المملكة في قلب العالم الإسلامي.
وللحديث بقية في المقال القادم عن المرأة في المسجد النبوي، الشريك الفاعل في صناعة الأثر وتحقيق المنجزات بلغة الأرقام.



