حين يترك الحزن أثره في العيون

فاطمة عواجي
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾
هناك أحزان لا تمر مرور العابرين، بل تستقر في أعماق الإنسان حتى تصبح جزءًا من ملامحه. يتغير بها بريق العين، ويثقل بها الصوت، ويذبل معها شيء من الروح، حتى وإن حاول صاحبها أن يخفيها خلف ابتسامة أو كلمة: “أنا بخير”. ولعل أصدق تصوير لهذا الألم ما خلّده القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾.
لم يكن نبي الله يعقوب عليه السلام ضعيفًا، ولم يكن ساخطًا على قضاء الله، لكنه كان أبًا فقد فلذة كبده، فكان الحزن في قلبه عميقًا حتى أثّر في بصره، ومع ذلك لم يتلفظ إلا بما يرضي الله، وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. إنها أرقى صور الصبر؛ أن يتألم الإنسان، لكنه لا يعترض، وأن يبكي، لكنه لا ييأس.
هذه الآية تعلمنا أن الحزن ليس عيبًا، وأن البكاء لا ينتقص من قوة الإنسان، فحتى الأنبياء بكت أعينهم، وتألمت قلوبهم، واشتاقت أرواحهم لمن يحبون. القوة الحقيقية ليست في إنكار الألم، بل في القدرة على حمله مع بقاء الثقة بالله.
كم من إنسان يبتسم أمام الناس، بينما يحمل في داخله وجعًا لو وُزِّع على الجبال لتصدعت. وكم من شخص يقول: “أنا بخير”، بينما قلبه يصرخ من شدة التعب. نحن لا نعرف القصص التي يخفيها الآخرون، ولا الليالي التي قضوها بين الدعاء والدموع، لذلك كان اللطف بالناس من أعظم الأخلاق، لأنك لا تعلم أي معركة يخوضها من يقف أمامك.
إن بعض الكلمات قد تكون حياةً لقلب أنهكه الحزن، وبعض المواقف قد تعيد لإنسان ثقته بالعالم من جديد. فلا تستهِن بابتسامة، ولا تؤجل اعتذارًا، ولا تبخل بسؤال عن غائب، فقد يكون في أمسّ الحاجة إلى من يربت على روحه.
ومع كل هذا الألم، لم تنتهِ قصة يعقوب بالحزن، بل انتهت باللقاء، وعاد يوسف إلى أبيه، واجتمع الشمل بعد طول الفراق. وكأن القرآن يريد أن يهمس لكل قلبٍ مكسور: مهما طال الليل، فالفجر آتٍ، ومهما اشتد الحزن، فإن رحمة الله أوسع، والفرج أقرب مما نظن.
فإذا أثقلك الحزن يومًا، فلا تيأس، وإذا ضاقت بك الدنيا، فارفع شكواك إلى من يسمع أنين القلوب قبل أن تنطق الألسن. فالله الذي رد يوسف إلى يعقوب، قادر أن يرد إليك ما فقدته، أو يعوضك بخيرٍ يفوق كل ما تمنيت.
ويبقى أجمل ما نتعلمه من هذه الآية أن الحزن قد يُبيض العين، لكنه لا ينبغي أن يُطفئ نور الأمل في القلب. فمن كان الله معه، فلن يخذله الزمن، ومن أحسن الظن بربه، جاءه الفرج من حيث لا يحتسب.



