وُعّاظ

وفاء احمد
الفضيحة كائن ذكي.
نادراً ما يدخل من بابه الحقيقي.
غالباً يرتدي ثوب النصيحة،
ويتحدث بلهجة الوقار،
ثم يطمئنك بأنه لا يريد منك شيئا سوى “مصلحتك”
وبعد أن ينتهي.
يترك سمعتك على الأرض،
ويغادر مرتاح الضمير.
أغرب ما في الأمر أن بعض الناس يعتقد أن ارتفاع صوته دليل على صدق نصيحته، وأن زيادة عدد الحاضرين تضاعف أجره.
لا يدرك أن النصيحة كلما احتاجت إلى شهود،
اقتربت من أن تكون استعراضاً أكثر من كونها إصلاحاً.
هناك من لا يحتمل أن يرى خطأً ،إلا ويشعر أن الكون كلّفه بمهمة الإعلان عنه.
يفتش عن الزلات ،كما يفتش المنقّب عن الذهب،
لكنه لا يبحث ليعالج.
بل ليجد مادة يتحدث عنها، وحين تعاتبه، يبتسم بثقة ويقول: “أنا أنصح.”
والحقيقة أن النصيحة لا تُقاس بجرأة اللسان، بل برحمة القلب
فالناصح الحقيقي يخشى أن يجرح أكثر مما يخشى أن يسكت، أما صاحب الفضيحة ،فيخشى أن تضيع عليه فرصة الظهور.
من السهل أن تجعل إنساناً يبدو صغيراً أمام الآخرين، وهذه ليست بطولة.
البطولة أن تمنحه فرصة ليكبر،دون أن يراك أحد. وما أكثر من أتقنوا كشف العيوب، وما أقل من أتقنوا سترها.
المفارقة أن بعضهم يغضب إذا انتقدته بالطريقة نفسها التي ينتقد بها الناس
فجأة يصبح للكرامة قيمة، وللخصوصية حرمة، وللأسلوب أهمية. لكنه حين يكون في المقعد الآخر، ينسى كل ذلك، ويتذكر فقط أنه “ينصح”.
الفرق بين النصيحة والفضيحة ليس حرفاً ولا كلمة.
الفرق أن الأولى تمد يدها للإنسان، بينما الثانية تدفعه أمام الناس ثم تزعم أنها كانت تحاول إنقاذه.
ولذلك، قبل أن تنصح أحداً
اسأل نفسك سؤالا واحداً
لو اختفى التصفيق وبقي الإصلاح وحده… هل كنت ستقول الكلام نفسه؟



