
د. منى يوسف الغامدي
الذكاء الاصطناعي بين حوكمة التشريعات واقتصاد المستقبل: لماذا تقود الرياض الحوار العالمي؟
تتجه أنظار المجتمع الدولي والخبراء والتنفيذيين في مجالات التقنية والسياسات العامة صوب العاصمة الرياض، التي تحتضن النسخة الرابعة من المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي 2026، والذي تنظمه منظمة اليونسكو بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وبالتعاون مع المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بالتنسيق مع اللجنة الوطنية السعودية للتربية والثقافة والعلوم. لا يأتي هذا الحدث الاستثنائي في سياق تنظيمي عابر، بل يتوج استحقاقًا وطنيًا بارزًا باختيار عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية، ليجسد رؤية تنموية تضع الإنسان والتشريعات العادلة في قلب الثورة التقنية.
تحول الثقل التقني نحو الرياض
يعكس انعقاد هذا المنتدى الدولي في الرياض تحولًا محوريًا في خريطة التأثير التقني العالمي؛ فلم تعد المنطقة العربية مجرد مستهلك للحلول الذكية، بل أصبحت شريكًا رئيسيًا في صياغة الأطر التنظيمية والأخلاقية التي تحكم مستقبل التكنولوجيا.
وتؤكد هذه الشراكة بين (اليونسكو) و(سدايا) ثقة المؤسسات الدولية في التجربة السعودية، التي نجحت في الجمع بين الابتكار السريع والتطبيق المسؤول للبيانات.
التشريعات المرنة: صمام أمان الابتكار
يواجه العالم اليوم معضلة تشريعية حقيقية: كيف يمكن وضع قوانين تنظم تقنيات تتطور بسرعة تسبق التشريعات التقليدية؟ ومن هنا تتجلى أهمية الطرح السعودي في استضافة هذا المنتدى:
- منظومة حوكمة ديناميكية: الانتقال من التشريعات الجامدة إلى أطر حوكمة مرنة تنظم استخدامات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة دون خنق الابتكار أو إعاقة الاستثمار.
- سيادة البيانات وشفافية الخوارزميات: وضع قواعد علمية تضمن الحد من التحيز الخوارزمي وتضمن حماية الخصوصية الرقمية، مما يعزز الثقة بين المبتكر والمستخدم والمؤسسات التشريعية.
(الدماغ المفكر): أبجديات التأسيس في مرحلة الطفولة المبكرة
ولعل هذا ما دافعت عنه مليًا في كتابي (الدماغ المفكر: دليل معلمة الطفولة المبكرة لتعليم التفكير الناقد في ضوء أبحاث الدماغ والذكاء الاصطناعي)؛ حيث تبرز الحاجة الماسّة للربط بين مكتشفات علم الأعصاب الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدءًا من الطفولة المبكرة، حيث تكون المرونة العصبية للدماغ في أعلى درجات الاستجابة. وحين نستوعب كيف يتعلم الدماغ بشريًا، وندمج ذلك مع إمكانات الذكاء الاصطناعي، نتمكن من تدريب أبنائنا منذ نعومة أظفارهم على مهارات التساؤل والتحليل والحل الخلاق للمشكلات، لنضمن نشوء جيل جديد يتعامل مع التكنولوجيا بوعي وصانع لها، لا مجرد مستهلك منفعل.
(نافس): أداة التقويم الوطني لبناء المهارات الأساسية
وفي قلب هذه التحولات الهيكلية، تبرز الاختبارات الوطنية (نافس) كمحكٍ حقيقي وأداة قياس استراتيجية ضمن خطة وطنية عملاقة تستهدف رفع جودة المخرجات التعليمية. إن التشخيص الدقيق لمستوى أبنائنا في المهارات الأساسية – وعلى رأسها اللغة العربية والرياضيات – ليس مجرد إجراء تقويمي، بل هو رهان على بناء عقول متمكنة تمتلك لغة قوية قادرة على التعبير والتفكير، ومعرفة رياضية وعلمية صلبة تمكنها من التنافسية العالمية. وهنا يأتي الدور المفصلي لوعي أولياء الأمور بأهمية هذه الاختبارات؛ فالوعي الأسري بحقيقة أن (نافس) تقيس الأداء الفعلي وتوجه خطط التحسين الوطنية، يمثل الجسر المحوري لنقل التجربة التعليمية من خانة (التحصيل المرحلي) إلى خانة (التمكين الاستراتيجي) لبناء مخرج تعليمي يعد لمستقبل مشرق يليق بالطموح الوطني.
الشراكة المجتمعية وتحقيق ركائز رؤية 2030
إن هذه الرؤية الفكرية والتربوية لا يمكن أن تكتمل أركانها داخل أسوار المدرسة وحدها؛ فالأسرة هي الشريك الأصيل والركيزة الأولى في هذه المعادلة الوطنية. إن التكامل الواعي بين البيت والمدرسة هو المحرك الحقيقي لتحقيق الأهداف العليا لوزارة التعليم المنبثقة من رؤية المملكة 2030. فعندما تتناغم البيئة الأسرية مع البيئة المدرسية في تعزيز قيم الجدية، وشغف المعرفة، وتعميق الوعي بالأدوات الوطنية للتقويم، وحسن استغلال التقنية، نضمن إعداد مواطن منافس عالميًا، متمسك بقيمه، وقادر على قيادة اقتصاد المعرفة.
خاتمة
إننا اليوم، ونحن نلج عتبة عام دراسي جديد، لا نفتح أبواب المدارس لنلقن دروسًا عابرة، بل نفتح أفق المستقبل أمام جيلٍ نراهن عليه لعمارة الأرض ورفعة الوطن. فليكن هذا العام محطةً للانطلاق الجاد، والابتكار المسؤول، والشراكة المجتمعية الصادقة والفعالة، لنصنع معًا المخرج التعليمي الذي يليق بطموحات السعودية العظمى في ظل قيادتنا الرشيدة.



