المقالات

عندما تصبح الكفاءة عقوبة!

د. فهد عيد الحاسري

د. فهد عيد الحاسري

في بيئة العمل، من الطبيعي أن تبحث الإدارة عن الموظف الذي يمكن الاعتماد عليه؛ ذلك الذي ينجز في الوقت المحدد، ويبادر، ويتعاون، ويجيد التعامل مع المشكلات.

وهذا في الأصل أمر إيجابي؛ فالثقة بالموظف الكفء إحدى ثمار نجاحه. لكن ماذا يحدث عندما تتحول هذه الثقة تدريجيًا إلى مزيد من المهام، ثم إلى اعتماد دائم عليه، حتى يصبح الحل الجاهز لكل نقص أو تأخير أو عمل لم ينجزه غيره؟

هنا يبرز سؤال يستحق التأمل:
هل يمكن أن تصبح الكفاءة عقوبة؟

المشكلة ليست في تكليف الموظف المتميز بمسؤوليات إضافية، فقد يكون ذلك دليل ثقة وفرصة لإثبات قدراته والتأهل لمسؤوليات أكبر. المشكلة تبدأ عندما تزيد المسؤولية بلا صلاحية، ويزداد العبء بلا تقدير، ويتحول التكليف الاستثنائي إلى وضع دائم.

حين يصبح المجتهد هو الحل الدائم

تحت ضغط الإنجاز، قد يلجأ المدير إلى الموظف الأكثر كفاءة كلما ظهرت مهمة عاجلة؛ لأنه الأسرع والأكثر موثوقية. لكن الحل السريع قد يصنع مشكلة طويلة المدى.

فعندما تعتمد الإدارة باستمرار على أشخاص محددين لإنقاذ العمل، فإنها لا تستنزفهم فحسب، بل تؤجل معالجة السؤال الأهم، وهو: لماذا لا يستطيع بقية الفريق تحمل نصيبه من المسؤولية؟

هل المشكلة في التدريب؟ أم توزيع العمل؟ أم ضعف المتابعة والمساءلة؟

الإدارة الناجحة لا تسأل فقط: من يستطيع إنجاز المهمة؟ بل تسأل أيضًا: لماذا أصبح الشخص نفسه هو الحل في كل مرة؟

وعندما يُكافأ التهاون بالراحة، تصبح المشكلة أخطر عندما يلاحظ الموظفون أن كثير الاعتراض أو المتهاون تُسند إليه أعمال أقل، بينما يحصل المجتهد والمتعاون على مزيد من الأعباء.

عندها قد ترسل المؤسسة، وربما من غير قصد، رسالة سلبية:
كلما كنت أكثر التزامًا حصلت على مزيد من العمل، وكلما كنت أقل تعاونًا قل ما يُطلب منك.

وهذا لا يؤثر في المتميز وحده، بل في ثقافة العمل كلها؛ فالموظفون لا يتأثرون باللوائح والتعليمات فقط، وإنما بما يشاهدونه عمليًا: من يُقدَّر؟ ومن يُحاسب؟ ومن يتحمل؟ ومن يُعفى؟

بين الفرصة والاستنزاف:

ليس كل تكليف إضافي ظلمًا؛ فالموظف الطموح يحتاج أحيانًا إلى مهام جديدة توسع خبرته، وتكشف قدراته، وتؤهله للقيادة.

لكن هناك فرقًا بين تكليف يصنع الموظف وتكليف يستهلكه.

الأول واضح الهدف، معقول المدة، محدد الأولوية، وترافقه الصلاحية والتقدير وفرصة للنمو.

أما الثاني فيتكرر بلا نهاية، وتتراكم معه المسؤوليات دون إعادة ترتيب الأولويات أو الاعتراف بالجهد.

والموظف مسؤول أيضًا، فالمسؤولية ليست على الإدارة وحدها. فالمهنية لا تعني أن يقول الموظف نعم لكل شيء، كما لا تعني أن يرفض كل مهمة تتجاوز وصفه الوظيفي.

المطلوب هو التعاون بحدود مهنية واضحة.

فإذا أُسندت إليه مهمة جديدة، ولديه أعمال عاجلة، يستطيع أن يقول باحتراف:
(لدي حاليًا هذه المهام، فما المهمة الأعلى أولوية حتى أضمن جودة الإنجاز؟)

هذا ليس رفضًا للعمل، بل إدارة واعية للمسؤوليات.

فلا تكن صداميًا حتى يخشى الآخرون تكليفك، ولا متهاونًا حتى يتجنبوا الاعتماد عليك، ولا متعاونًا بلا حدود حتى تتحمل مسؤوليات الجميع.

أنجز، وبادر، وتعاون… ولكن اعرف أولوياتك وحدود مسؤوليتك.

الإدارة الناجحة تبني فريقًا، فليس من الحكمة أن تعالج الإدارة ضعف موظف بنقل أعماله باستمرار إلى الموظف الأفضل. فالضعف يحتاج إلى تشخيص، وتدريب، وتوجيه، ومتابعة، ومساءلة عند الحاجة.

كما أن الاعتماد المفرط على موظف أو اثنين يمثل خطرًا على المؤسسة نفسها؛ فماذا يحدث عند غيابهما أو انتقالهما أو تقاعدهما؟

المؤسسة القوية ليست التي لديها شخص لا يمكن الاستغناء عنه، وإنما التي تبني فريقًا قادرًا على الاستمرار، وتنقل المعرفة، وتُعِدّ وتجهز الصف الثاني، وتحافظ على أصحاب الأداء المرتفع.

فقتل روح المبادرة أخطر ما قد يصل إليه الموظف المتميز عندما يسأل نفسه:
(لماذا أبادر إذا كانت مكافأة كل مبادرة مزيدًا من الأعباء؟)

حينها لا تخسر المؤسسة ساعات عمل فقط، بل قد تخسر الحماس والمبادرة والانتماء.

والتقدير ليس ماليًا دائمًا؛ فقد يكون إشادة مستحقة، أو تدريبًا، أو تفويضًا، أو مشاركة في القرار، أو فرصة لمسؤولية أعلى. المهم أن يشعر الموظف بأن جهده يُرى ويُقدَّر ولا يُستنزف.

فالكفاءة قيمة… وليست عقوبة

والعدالة لا تعني أن تتساوى المهام بين الجميع؛ فالقدرات والخبرات والمسؤوليات تختلف. لكنها تعني ألا يصبح الاجتهاد سببًا للاستنزاف، ولا التقصير طريقًا للراحة، ولا صعوبة التعامل مع الموظف وسيلة لتخفيف المسؤولية عنه.

فالمنظمة الذكية تكافئ المبادرة، وتعالج التقصير، وتطور الأقل خبرة، وتحافظ على المتميز، وتوزع المسؤوليات بعدالة. فالإدارة الناجحة تبني فريقًا لا بطلًا واحدًا.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن تطرحه كل إدارة على نفسها:
هل نكافئ موظفينا المتميزين على كفاءتهم… أم نكافئهم بمزيد من العمل فقط؟

فالكفاءة إذا وجدت التقدير صنعت قادة،
وإذا قابلها الاستنزاف أطفأت روح المبادرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى