علمية وتقنية

لماذا نميل إلى الدوران عكس عقارب الساعة؟ دراسة دولية تكشف سلوكًا بشريًا حيّر العلماء

تجارب في إسبانيا واليابان ترصد ميلًا حركيًا لدى غالبية المشاركين.. والسبب البيولوجي لا يزال مجهولًا

إسراء الحرف – علوم وتقنية

هل سبق أن تساءلت عن الاتجاه الذي قد تسلكه إذا دخلت ساحة واسعة وطُلب منك التجول فيها دون وجهة محددة؟ قد يبدو الأمر مجرد قرار عابر لا تحكمه قاعدة واضحة، لكن دراسة علمية دولية كشفت أن حركة الإنسان قد تخضع لانحياز خفي يجعله يميل إلى الدوران عكس اتجاه عقارب الساعة، حتى عندما لا توجد تعليمات أو عوائق تفرض عليه هذا المسار.

النتيجة التي توصل إليها باحثون من إسبانيا واليابان، بمشاركة مؤسسات علمية أخرى، تفتح بابًا جديدًا لفهم السلوك الحركي البشري، وتطرح تساؤلات بشأن العلاقة بين حركة الجسم والدماغ والبيئة المحيطة، بعدما أظهرت تجارب متعددة أن هذا الميل يتكرر لدى مجموعات مختلفة من المشاركين.

ونُشرت الدراسة في العاشر من يونيو 2026، في مجلة «Nature Communications» العلمية، تحت عنوان «الانحياز الحركي الفردي يقود حركة الحشود عكس عقارب الساعة»، بقيادة الباحث إيناكي إتشيفيريا هوارتي من جامعة نافارا الإسبانية، وبمشاركة باحثين من جامعات طوكيو وواسيدا وكارلوس الثالث في مدريد ومؤسسات أكاديمية أخرى.

اكتشاف بدأ بملاحظة غير متوقعة

تعود جذور البحث إلى تجارب أجراها علماء في إسبانيا خلال جائحة كورونا، بهدف دراسة حركة الأشخاص داخل المساحات المشتركة، وفهم تأثير الكثافة البشرية في قدرتهم على التنقل مع الحفاظ على التباعد الاجتماعي.

وخلال تحليل مسارات المشاركين، لاحظ الباحثون ظاهرة لم تكن ضمن الأهداف الأساسية للتجارب؛ إذ اتجهت حركة المجموعات بصورة متكررة نحو الدوران عكس عقارب الساعة.

وأثارت الملاحظة تساؤلًا علميًا مهمًا: هل ينشأ هذا الاتجاه نتيجة تقليد الأشخاص بعضهم بعضًا، أم بسبب تصميم المكان، أم أن لدى الإنسان ميلًا حركيًا فرديًا يدفعه إلى اختيار اتجاه معين دون وعي؟

وللإجابة عن هذا السؤال، انتقل الباحثون من مجرد مراقبة الحشود إلى سلسلة من التجارب المصممة لاختبار التفسيرات المحتملة، مع تغيير ظروف المكان وأعداد المشاركين وخصائصهم.

تجارب داخل ساحات مغلقة وأخرى مفتوحة

في إحدى التجارب الأساسية التي أُجريت بجامعة نافارا، شارك 50 متطوعًا في المشي داخل مساحة دائرية نصف قطرها خمسة أمتار، أحاطت بها حواجز منخفضة.

وطُلب من المشاركين التحرك بحرية، دون التوقف أو تعمد السير خلف الآخرين، فيما استخدم الباحثون كاميرات علوية وبرامج متخصصة لتتبع المسارات وتحليل اتجاه الحركة.

وقبل بدء التجربة، اختبر العلماء اتجاه الالتفاف المفضل لدى كل مشارك، من خلال مطالبته بالسير نحو جدار ثم الاستدارة والعودة، بهدف معرفة ما إذا كان يفضل الالتفاف يمينًا أم يسارًا.

وكان من المتوقع أن تؤثر هذه التفضيلات الفردية في اتجاه دوران المجموعة، لكن النتائج أظهرت استمرار الميل الجماعي إلى الحركة عكس عقارب الساعة، حتى عندما ضمت المجموعة أشخاصًا يفضلون الالتفاف يمينًا.

وللتأكد من أن الحواجز المحيطة بالمكان ليست السبب، انتقل الباحثون إلى تجربة أخرى في فناء مدرسة بمدينة بامبلونا الإسبانية، شارك فيها 107 طلاب تراوحت أعمارهم بين 13 و14 عامًا.

وأُجريت التجربة في ساحة مفتوحة تبلغ مساحتها نحو 3 آلاف متر مربع، مع تصوير الحركة بواسطة طائرة مسيّرة وتحليل المسارات باستخدام برامج حاسوبية.

ورغم غياب الجدران التي قد توجه المشاة نحو مسار دائري، ظهر الميل نفسه إلى الدوران عكس عقارب الساعة.

وأشارت هذه النتيجة إلى أن حدود المكان قد تؤثر في شكل الحركة أو وضوحها، لكنها لا تبدو التفسير الأساسي لنشوء الاتجاه المرصود.

اليابان تختبر فرضية العادات الاجتماعية

لم يتوقف الباحثون عند التجارب الإسبانية، بل انتقلوا إلى اليابان لاختبار فرضية أخرى تتعلق بالعادات الاجتماعية وطريقة تجنب الاصطدام بين المشاة.

ففي إسبانيا، يميل الأشخاص عادة إلى التحرك نحو اليمين عند مواجهة شخص يسير في الاتجاه المقابل، بينما تُظهر أنماط حركة المشاة في اليابان ميلًا مختلفًا نحو اليسار.

وافترض العلماء أن هذا الاختلاف قد يؤدي إلى انعكاس اتجاه دوران المجموعات، إذا كانت المناورات المستخدمة لتجنب الاصطدام هي السبب الرئيسي للظاهرة.

وشارك في التجارب اليابانية 39 شخصًا داخل مساحة دائرية بجامعة طوكيو، وفق إجراءات مشابهة للتجارب الإسبانية.

لكن النتائج جاءت مخالفة للتوقعات؛ إذ استمر ظهور الاتجاه العام نحو الدوران عكس عقارب الساعة، رغم اختلاف أنماط تجنب الاصطدام بين البلدين.

وبذلك، لم يجد الباحثون دليلًا يدعم تفسير الظاهرة اعتمادًا على عادات المرور أو تجنب المشاة بعضهم بعضًا وحدها.

الأطفال يقدمون دليلًا إضافيًا

في محاولة لفهم ما إذا كان السلوك مكتسبًا نتيجة التعليم والعادات اليومية، حلّل الفريق بيانات تجارب سابقة أُجريت داخل روضة أطفال في اليابان.

وشملت البيانات أطفالًا تقل أعمارهم عن ست سنوات، خلال نشاط حركي حر داخل قاعة، حيث كانوا يركضون على أنغام الموسيقى دون توجيههم إلى اتجاه محدد.

وأظهرت المسارات تشكل حركة جماعية واضحة عكس عقارب الساعة، وكانت درجة انتظامها أعلى من تلك التي رُصدت في عدد من تجارب البالغين.

غير أن الباحثين أشاروا إلى احتمال تأثر الأطفال بتقليد أقرانهم خلال النشاط الجماعي، وهو ما يعني أن قوة الدوران في هذه التجربة لا تثبت وحدها أن الاتجاه فطري بالكامل.

ومع ذلك، فإن ظهور الظاهرة لدى الأطفال الصغار أضاف دليلًا إلى أن العادات الاجتماعية المرتبطة بحركة المشاة لا تقدم تفسيرًا كافيًا لها.

ماذا يحدث عندما يمشي الإنسان وحده؟

كان السؤال الأكثر أهمية أمام الباحثين هو ما إذا كانت الظاهرة تنشأ من وجود مجموعة بشرية، أم أنها تبدأ من الفرد نفسه.

ولحسم هذه النقطة، أجرى الفريق تجربة منفصلة في جامعة نافارا، استقطبت 209 مشاركين، طُلب من كل واحد منهم السير بمفرده داخل مساحة محددة لمدة دقيقة واحدة، دون تعليمات بشأن اتجاه الحركة.

ورصدت الكاميرات المسارات الفردية، ثم استخدم الباحثون أدوات إحصائية لتحليل الميل إلى الدوران يمينًا أو يسارًا.

وأظهرت النتائج وجود انحياز واضح نحو الدوران عكس عقارب الساعة، حتى في غياب الأشخاص الآخرين.

كما دعمت الاختبارات الإحصائية وجود ميل فردي ذي دلالة إحصائية، وهو ما عزز الاستنتاج الرئيسي للدراسة: أن حركة الحشود في هذا الاتجاه قد تنشأ أساسًا من تفضيلات حركية فردية، لا من التفاعل الجماعي وحده.

هل تؤثر اليد المهيمنة أو القدم أو العين؟

اختبر العلماء مجموعة من التفسيرات البيولوجية المحتملة، من بينها تأثير استخدام اليد اليمنى أو اليسرى، والقدم المهيمنة، والعين المسيطرة بصريًا.

كما طلبوا من مجموعة من المشاركين السير مع تغطية العين اليمنى، لمعرفة ما إذا كان تغيير المجال البصري يؤثر في اتجاه الحركة.

لكن التحليل لم يكشف فروقًا ذات دلالة إحصائية بين المجموعات المختلفة، سواء من حيث اليد أو القدم أو العين المهيمنة، أو بين الرجال والنساء، أو نتيجة تغطية العين.

وهذا لا يعني أن تلك العوامل لا يمكن أن يكون لها أي تأثير على الإطلاق؛ إذ أوضح الباحثون أن أعداد بعض المجموعات الفرعية كانت محدودة، ما يقلل القدرة على اكتشاف التأثيرات الصغيرة.

وتشير النتائج، في حدود العينات التي دُرست، إلى أن الميل المرصود لا يمكن تفسيره ببساطة من خلال كون الشخص أيمن أو أعسر.

نحو 65% يميلون إلى الاتجاه نفسه

بحسب توضيح نشرته جامعة واسيدا اليابانية، إحدى المؤسسات المشاركة في البحث، فإن نحو 65% من الأشخاص في المجموعات التي تناولتها الدراسة أظهروا تفضيلًا للحركة عكس عقارب الساعة.

لكن هذه النسبة لا تعني أن كل شخص سيتحرك بهذا الاتجاه في كل موقف، ولا أن حركة الإنسان محكومة بقاعدة ثابتة لا تتغير.

فقد رصد العلماء أيضًا أشخاصًا يفضلون الدوران مع عقارب الساعة، وآخرين يغيرون اتجاههم أثناء الحركة أو يسيرون في مسارات مستقيمة.

ويكمن الاكتشاف في وجود ميل إحصائي متكرر، وليس في وجود سلوك إلزامي يشترك فيه جميع البشر.

هل يعرف العلماء السبب؟

رغم تعدد التجارب وتكرار النتائج، فإن السؤال الأساسي لا يزال دون إجابة حاسمة: لماذا يفضل عدد أكبر من الأشخاص الدوران عكس عقارب الساعة؟

ويرجح الباحثون أن تكون للظاهرة جذور مرتبطة بآليات الحركة البشرية، وربما بالتفاعل بين الجهاز العصبي والتوازن والإدراك الحسي والتحكم العضلي.

ومن بين الاحتمالات المطروحة وجود فروق دقيقة في كيفية معالجة الدماغ للمعلومات الحسية أو ضبط اتجاه الجسم أثناء الحركة.

لكن الدراسة لم تثبت أيًا من هذه التفسيرات بصورة نهائية، ولم تحدد آلية عصبية أو تشريحية بعينها مسؤولة عن الظاهرة.

ويؤكد ذلك أن الاكتشاف يتعلق بإثبات وجود ميل حركي متكرر، وليس بالكشف النهائي عن سببه.

هل يمكن أن يغير الاكتشاف تصميم المطارات ومحطات القطارات؟

لا تقتصر أهمية الدراسة على تفسير جانب غامض من السلوك البشري، بل تمتد إلى تطبيقات محتملة في تخطيط المرافق العامة وإدارة حركة الحشود.

فإذا كانت نسبة كبيرة من الأشخاص تميل إلى اتجاه معين عند الحركة الحرة، فقد يساعد فهم هذا الميل في تحسين تصميم مسارات المشاة داخل المطارات ومحطات القطارات والمتاحف والمعارض والمراكز التجارية.

ومن التطبيقات التي ناقشها الباحثون إمكانية مراعاة اتجاه الحركة المفضل عند تخطيط المسارات الدائرية أو توزيع المداخل والمخارج في بعض المساحات العامة.

لكن هذه التطبيقات لا تزال احتمالات بحثية، ولم تثبت الدراسة أن اعتماد المسارات عكس عقارب الساعة سيحسن تلقائيًا حركة المشاة أو يقلل الازدحام في جميع المنشآت.

كما أن الظروف الواقعية، بما تتضمنه من عوائق ولافتات وأهداف محددة وكثافات بشرية مرتفعة، قد تؤثر في السلوك وتضعف الميل المرصود أو تلغيه.

حدود الدراسة.. لماذا لا يمكن تعميم النتائج على الجميع؟

رغم قوة النتائج وتكرارها في بيئات مختلفة، شدد الباحثون على أن الميل إلى الدوران عكس عقارب الساعة لا يمثل قانونًا عالميًا ثابتًا.

فالتجارب شملت أطفالًا ومراهقين وشبابًا بالغين يتمتعون بصحة جيدة، ولم تختبر بصورة كافية كبار السن أو الأشخاص الذين لديهم صعوبات حركية أو اختلافات في التوازن والإدراك.

كما اقتصرت التجارب الميدانية الرئيسية على إسبانيا واليابان، وهو ما يترك المجال مفتوحًا لدراسات إضافية في مجتمعات وبيئات أخرى.

وتحتاج النتائج كذلك إلى اختبارات أوسع في المواقع المزدحمة والظروف اليومية المعقدة، قبل تحويلها إلى قواعد عملية لتصميم المنشآت وإدارة تدفقات المشاة.

اكتشاف يفتح أسئلة أكبر عن الإنسان

تكشف الدراسة جانبًا لافتًا من العلاقة بين السلوك الفردي والحركة الجماعية، وتعيد النظر في الاعتقاد بأن الأنماط التي تتشكل داخل الحشود تنتج بالضرورة عن التفاعل المباشر بين أفرادها.

فقد تكون بعض الحركات الجماعية، وفق ما تشير إليه النتائج، انعكاسًا لتفضيلات صغيرة يحملها الأفراد، ثم تصبح أكثر وضوحًا عندما يتحرك عدد كبير منهم داخل المكان نفسه.

وبينما نجح العلماء في رصد الظاهرة واختبار عدد من التفسيرات المحتملة، بقي السؤال الأكثر إثارة مفتوحًا أمام الأبحاث المقبلة: ما الذي يجعل جسم الإنسان يميل إلى اتجاه دون آخر عندما تُترك له حرية الحركة؟

إنها نتيجة علمية تذكّر بأن أكثر التصرفات اليومية اعتيادًا قد تخفي وراءها أسئلة لم تتمكن العلوم الحديثة من الإجابة عنها بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى