حين يُستنسخ الصوت.. حكم ياباني يعيد رسم حدود الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي

رنا الجديبي
لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بإنتاج النصوص والصور، بل دخل مرحلة أكثر حساسية مع قدرته على محاكاة الأصوات البشرية بدرجات متقدمة من الدقة، ما يطرح تساؤلات متزايدة حول حدود استخدام الصوت وارتباطه بالهوية الشخصية والحقوق المهنية.
وفي تطور قضائي لافت، تناولت محكمة طوكيو الجزئية في اليابان قضية تتعلق باستخدام صوت يحاكي صوت الممثل ومؤدي الأصوات الياباني كينجيرو تسودا عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، في قضية سلطت الضوء على العلاقة بين استنساخ الصوت وحقوق الدعاية المرتبطة بالشخصية.
وتعود القضية إلى نشر حساب مجهول على منصة «تيك توك» 188 مقطعًا، قال تسودا في دعواه إنها تضمنت صوتًا يحاكي صوته باستخدام الذكاء الاصطناعي، دون الحصول على موافقته.
وأقرت المحكمة مبدأً لافتًا مفاده أن الصوت يمكن أن يكون محل حماية ضمن حقوق الدعاية، باعتباره من العناصر التي قد ترتبط بشخصية الفرد وهويته.
وفي المقابل، لم تحكم المحكمة بإزالة المقاطع، إذ كانت قد حُذفت بالفعل، كما لم تفصل في ثبوت انتهاك فعلي لحقوق تسودا.
وتكتسب القضية أهمية في ظل الانتشار المتسارع لتقنيات استنساخ الأصوات، التي باتت تتيح إنتاج محتوى يحاكي أصوات أشخاص حقيقيين اعتمادًا على عينات صوتية. ويثير ذلك تحديات متعددة تتعلق بالموافقة والخصوصية والحقوق الاقتصادية للمبدعين، إضافة إلى احتمالات استخدام الأصوات المستنسخة في التضليل أو انتحال الشخصية أو الاحتيال.
ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على الفنانين ومؤدي الأصوات؛ فالمذيعون والمغنون والممثلون وغيرهم من أصحاب المهن التي يمثل الصوت جزءًا أساسيًا من أدواتها المهنية يواجهون أسئلة جديدة حول كيفية حماية أصواتهم وتنظيم استخدامها في بيئة رقمية تتغير بوتيرة متسارعة.
كما تضع هذه القضية شركات التقنية والمشرّعين أمام مسؤولية تطوير أطر أكثر وضوحًا لاستخدام تقنيات استنساخ الصوت، بما يحقق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق الشخصية والمهنية للأفراد.
وفي المشهد الإعلامي تحديدًا، تكتسب المسألة بعدًا إضافيًا؛ فالصوت عنصر أساسي في صناعة الثقة، وأي استخدام غير مصرح به لصوت شخصية عامة يمكن أن يربك المتلقي بشأن حقيقة التصريح ومصدره. لذلك تزداد أهمية التحقق من المحتوى الصوتي، خصوصًا مع اتساع قدرة التقنيات الحديثة على إنتاج مواد يصعب تمييزها عن التسجيلات الأصلية.
ويضع الحكم الياباني قضية الصوت أمام مرحلة جديدة من النقاش القانوني والإعلامي: فمع انتقال الذكاء الاصطناعي من محاكاة الكلمات إلى محاكاة أصحابها، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا إلى قواعد واضحة تحدد حدود الاستخدام، وتحفظ للإنسان حقه في هويته الصوتية، دون أن تقف في طريق الابتكار.



