حين يخدعنا الشوق ..فنطرق بابا اغلق منذ زمن

فاطمة عواجي
ليس كل شوقٍ يستحق أن نلبيه، فهناك شوقٌ يأتي متأخرًا، لا ليعيد ما مضى، بل ليختبر ما بقي في داخلنا من قوة. يهجم علينا في لحظة هدوء، ونحن نظن أننا تعافينا، فيوقظ ذكرى، أو نغمة، أو صورة، أو اسمًا مرَّ صدفة أمام أعيننا، فنشعر أن المسافات التي بنيناها في شهور، قد انهارت في ثوانٍ.
وهنا تبدأ المعركة… لا بينك وبين ذلك الشخص، بل بين قلبك وعقلك.
يهمس القلب: “أرسل رسالة… ربما يفتقدك كما تفتقده.”
ويرد العقل بصمتٍ موجع: “لو كان يفتقدك… لما احتجت أن تبدأ أنت كل مرة.”
لكن الحقيقة أن الشوق لا يبدأ يوم الفراق… بل يبدأ يوم التعلّق.
فنحن لا نحب الأشخاص في يومٍ وليلة، بل نتسلل إليهم عبر التفاصيل. نحب حديثًا يطمئننا، ورسالةً تأتي في الوقت المناسب، وضحكةً كانت تمحو تعب الأيام، واهتمامًا جعلنا نشعر للمرة الأولى أن هناك من يرى ما بداخلنا دون أن نشرحه. نقضي معهم أجمل اللحظات، وننسج معهم أحلامًا صغيرة، ونمنحهم من قلوبنا ما لا نمنحه لأحد، حتى يصبح وجودهم جزءًا من تفاصيل يومنا، وصوتهم جزءًا من طمأنينتنا، وغيابهم أمرًا لم نتخيل يومًا أننا سنعيشه.
ثم تأتي الحياة…
قد تكون مسافة، أو ظرفًا، أو اختلافًا، أو انشغالًا، أو قرارًا لا نملك تغييره.
وهنا تظهر حقيقة العلاقات.
فهناك من إذا تعثرت الطريق بينكما، لم يحاول إصلاحها، بل بحث عن طريقٍ آخر. وإذا تعذر لقاؤك، وجد شخصًا آخر يملأ الفراغ، وأكمل حياته وكأن شيئًا لم يكن. ينتقل من علاقة إلى أخرى، ومن اهتمام إلى اهتمام، ومن قلب إلى قلب، وكأن المشاعر محطة عابرة لا بيتًا يسكنه.
أما أنت…
فتبقى واقفًا عند آخر لحظة جمعتكما.
لا لأنك عاجز عن تجاوزها، ولا لأنك لا تعرف كيف تبدأ من جديد، بل لأنك حين أحببت، أحببت بصدق. وحين أوفيت، أوفيت بكل ما فيك. كنت ترى أن العلاقات عهدٌ يُصان، لا وقتٌ يُقضى. وأن القلوب ليست أشياء تُستبدل كلما تغيرت الظروف.
ولهذا يتأخر شفاؤك.
ليس لأنك ضعيف…
بل لأنك كنت وفيًّا.
الوفي لا يبحث عن بديل في أول محطة، ولا يمحو الذكريات ليصنع غيرها، ولا يستطيع أن يعامل من أحب يومًا وكأنه لم يكن.
ولهذا يظنك الناس أسير الماضي…
بينما الحقيقة أنك أسير الوفاء.
وما أكثر من يتهمون القلب الصادق بأنه لا يعرف النسيان، بينما الحقيقة أنه يعرف قيمة ما عاشه، ويحترم صدق مشاعره، ولا يتقن التمثيل بأن كل شيء انتهى في ليلة واحدة.
كم هو مؤلم أن تكتشف أن الشخص الذي كنت تظنه وطنًا، استطاع أن يبني وطنًا آخر في غيابك، بينما كنت أنت لا تزال ترتب أنقاض بيتكما الأول.
ليس لأنك أضعف منه…
بل لأنك كنت أصدق منه.
ثم يعود الشوق…
لا لأنه وعدٌ بالعودة، بل لأنه يختبر آخر ما بقي من تعلقك. يهمس لك أن ترسل رسالة، أو أن تتصل، أو أن تفتح نافذة الذكريات، وكأن الماضي يمكن أن يعود إذا اشتقنا إليه بما يكفي.
لكن الحقيقة المؤلمة…
أن بعض الأبواب لا تُغلق لأنها تكرهك، بل لأنها اختارت أن تُفتح لغيرك.
فلا تُهِن نفسك برسالةٍ تبحث فيها عن مكانٍ لم يعد لك فيه موطئ قدم. فالمشاعر لا تُستجدى، والاهتمام لا يُنتزع، ومن أرادك سيصل إليك مهما كانت المسافات، أما من غاب بإرادته، فلن تعيده آلاف الكلمات.
بعض الرسائل لا تُقرأ، وبعض الاتصالات لا يُجاب عنها، لكن الذي ينكسر حقًا ليس الهاتف… بل كرامة صاحب المحاولة الأخيرة.
واعلم أن الشوق لا يعني دائمًا أنك تريد الشخص نفسه، فقد تشتاق إلى الأيام التي كنت فيها مطمئنًا، وإلى الشعور الذي منحك إياه، وإلى النسخة الجميلة من نفسك حين كنت تحب. نحن أحيانًا لا نشتاق إلى الأشخاص… بل إلى الحياة التي عشناها معهم.
وليس كل من سكن قلبك، كُتب له أن يسكن عمرك. فهناك أشخاص جاءوا ليتركوا أثرًا، لا ليبقوا.
لذلك، عندما يطرق الشوق بابك في منتصف الليل، لا تتسرع في فتح هاتفك، بل افتح قلبك، واسأله:
هل أشتاق لمن كان يحبني فعلًا… أم لمن كنت أتمنى ألا يرحل؟
ستدرك حينها أن أكثر العلاقات ألمًا ليست تلك التي انتهت، بل تلك التي كان أحد طرفيها يبني مستقبلًا، بينما الآخر كان يعيش لحظة عابرة.
وأجمل انتصار يحققه الإنسان ليس أن يعود إليه من رحل، بل أن يصل إلى مرحلةٍ لا يعود فيها ينتظر أحدًا، ولا يطرق بابًا أغلقه أصحابه، ولا يطلب مكانًا في قلبٍ اختار أن يمتلئ بغيره.
فالقلوب الوفية قد تتأخر في الشفاء، لكنها لا تندم على صدقها. أما الذين استبدلوا الوجوه سريعًا، فقد ينسون الأشخاص، لكنهم لن يعرفوا أبدًا معنى أن يحب الإنسان مرةً بكل قلبه.
فالكرامة حين تمشي بجوار الوفاء… تنقذ القلب من أن يضيع وهو يطرق بابًا أُغلق منذ زمن.



