
بقلم / د. منى يوسف الغامدي
في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية بظل الوقف أحد أكثر النماذج الحضارية رسوخاً ومرونة في آنٍ واحد؛ فهو ليس مجرد أداة للعطاء، بل منظومة تنموية متكاملة تعكس عمق الرؤية الإسلامية في بناء الإنسان واستدامة الخير.
ومن هذا المنطلق، يكتسب انعقاد ملتقى الأوقاف في المدينة المنورة برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان أمير منطقة المدينة المنورة -حفظه الله- دلالة خاصة، إذ تلتقي فيها قداسة المكان مع حيوية الفكرة، لتنتج خطاباً تنموياً متجدداً يربط الماضي العريق بالمستقبل الواعد.
لقد شكل الوقف عبر التاريخ الإسلامي ركيزة أساسية في بناء المجتمعات، فبه أنشئت المدارس، والمستشفيات، ومرافق العلم، ومناشط الرعاية الاجتماعية ،حتى غدا الوقف أحد أهم أدوات تحقيق التكافل والاستقرار المجتمعي. ولم يكن هذا الدور وليد الصدفة، بل هو امتداد لمنظمة قيمية تؤمن بأن المال وسيلة للعمارة والإصلاح ، لا غاية في ذاته.
وفي السياق المعاصر ، لم يعد الوقف محصوراً في صورته التقليدية بل شهد تحولات نوعية جعلته أقرب إلى مفهوم الاستثمار الاجتماعي المستدام، حيث تتقاطع فيه الأبعاد الاقتصادية مع الأهداف الإنسانية . وهنا تبرز أهمية الملتقيات المتخصصة، بوصفها منصات معرفية تجمع الخبراء والممارسين وصناع القرار، لتبادل الرؤى، واستعراض التجارب، وبحث سبل تطوير الأوقاف بما يتواكب مع مستهدفات التنمية الوطنية.
إن ملتقى الأوقاف المنعقد حاليا في المدينة المنورة لا يمثل مجرد فعالية علمية عابرة، بل هو مساحة استراتيجية لإعادة صياغة مفهوم الوقف في ضوء المتغيرات الحديثة. فمن خلال جلساته وبرامجه، يُعاد طرح الأسئلة الكبرى :كيف يمكن للوقف أن يسهم في تنويع الاقتصاد؟ كيف تُدار أصوله بكفاءة عالية؟ وكيف يمكن توجيهه نحو مجالات أكثر تأثيراً، كالتعليم ، والابتكار، وجودة الحياة. كما أن هذه الملتقيات تؤدي دوراً مهماً في تعزيز الحوكمة والشفافية في القطاع الوقفي، عبر نشر أفضل الممارسات العالمية ، وتطوير الأطر التنظيمية، وتحفيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص وغير الربحي. وهي بذلك تسهم في تحويل الوقف من نشاط تقليدي محدود الأثر إلى قطاع تنموي فاعل قادر على الإسهام في تحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية الطموحة.
ولا يمكن إغفال البعد الثقافي والمعرفي لهذه الملتقيات، فهي تسهم في إعادة تشكيل الوعي المجتمعي تجاه الوقف، ونقله من كونه مفهوما مرتبطاً بالماضي إلى كونه أداة مستقبلية لصناعة الأثر. كما تعزز ثقافة المبادرة لدى الأفراد والمؤسسات، وتشجع على ابتكار صيغ وقضية جديدة تتلاءم مع احتياجات العصر.
إن انعقاد هذا الملتقى في المدينة المنورة يحمل رمزية عميقة، فهي مدينة الوقف الأول في الإسلام، وموطن التجربة النبوية التي أرست قواعد العطاء المستدام. ومن هنا، فإن استحضار هذا الإرث في إطار معاصر يعكس قدرة الأمة على تجديد أدواتها دون أن تفقد أصالتها.
هذا الحراك في المدينة المنورة وعقد ملتقى الأوقاف يمثل نقطة تحول نوعية في إعادة توظيف الوقف كأداة تنمية مستدامة ضمن مشهد متسارع تشهده المدينة في مختلف المجالات.
ويأتي هذا التميز بدعم من إمارة منطقة المدينة المنورة واهتمام كبير من سمو أمير المنطقة -حفظه الله- بما يعكس رؤية قيادية تعزز الشراكات وتدفع بالقطاع الوقفي نحو أثر أعمق وأكثر استدامة.



