نجاح موظف واحد كفيل بتفعيل قواعد اللغة العربية كاملة

فاطمة عواجي
في كل جهة عمل… يوجد ذلك الموظف الهادئ، الذي يأتي صباحًا حاملًا قهوته وملفاته وأحلامه البسيطة، لا يدخل في المعارك، ولا في التحزبات، ولا في “من قال ومن نقل”، كل ما يفعله، ويا ليته ما فعل، أنه يعمل بإخلاص… ثم ينجح!
وفجأة… يأتي ذلك اليوم المشؤوم الجميل: رسالة شكر، تكريم، إشادة من المدير، أو حتى مجرد: “يعطيك العافية، أبدعت.”
وهنا… لا يبدأ التصفيق فقط، بل تبدأ أعظم حركة نحوية وصرفية شهدتها البشرية منذ اكتشاف اللغة العربية.
فجأةً… تُستدعى نون النسوة من سباتها العميق:
“شفتيه يوم دخل؟”
“سمعتِ وش قال؟”
“لاحظتِ كيف صار يمشي بثقة؟”
“حسيتي تغيّر بعد التكريم؟”
حتى الموظفة التي لم تكن تعرف اسمه قبل أسبوع… أصبحت الآن خبيرة تحليل سلوكيات، وتقرأ لغة الجسد من حركة الحاجب!
وفي الجهة المقابلة… يستيقظ جمع المذكر السالم، أقصد جماعة الرجال طبعًا، بكل هيبته وتحليلاته الاستراتيجية:
“يا رجال، الموضوع مو طبيعي!”
“أكيد فيه شيء خلف الكواليس!”
“وش سوا يعني عشان يوصل؟”
“من يوم غير نوع العطر وأنا غاسل يدي!”
ثم تبدأ جلسات التحقيق الكبرى…
كيف كان؟ وكيف أصبح؟ وإلى أين يتجه؟ وماذا سيحدث له؟ وهل يخطط للإدارة؟ ولماذا المدير ابتسم له مرتين هذا الأسبوع؟ ولماذا قال صباح الخير بصوت مرتفع أمس؟
وفجأة… يتحول الموظف المتميز من إنسان طبيعي… إلى مشروع تحليل وطني شامل!
الرجال يحللون إنجازاته، والنساء يحللن نبرة صوته، والممرات تنقل الأخبار، والقهوة تشهد على المؤامرات، والطابعة تعرف أسرارًا أكثر من الموارد البشرية نفسها.
ثم تدخل “إنَّ وأخواتها” بكل قوة:
“إنَّ الموضوع فيه واسطة!”
“لكنَّ الوضع غير منطقي!”
“لعلَّه يعرف أحدًا فوق!”
“كأنَّه كان مخططًا لهذا من زمان!”
أما “كان وأخواتها”… فهنا تبلغ الدراما قمتها:
“كان بسيطًا فأصبح مشهورًا!”
“وكان يجلس معنا فأصبح مشغولًا!”
“وكان يضحك معنا… فأصبح يرد متأخرًا على الواتساب!”
ثم تأتي حروف الجر لتؤدي واجبها الوطني الكامل:
تحدثوا عنه… وعليه… وفيه… ومنه… وحوله… وله… وبسببه… حتى كادت الحروف ترفع خطاب استنزاف وظيفي!
أما الأفعال الخمسة… فكانت تعمل بنظام المناوبات:
“هم يراقبونه…”
“وهم يتابعونه…”
“وهم يفسرون كل حركة يقوم بها…”
“وهم يتساءلون لماذا يشرب القهوة واقفًا أحيانًا!”
بل إن بعضهم وصل إلى مرحلة الربط العجيب:
“أكيد الكرسي الجديد غير نفسيته!”
“لا لا… الموضوع بدأ من يوم أخذ دورة تطوير!”
“أنا أقولكم… السر في اللابتوب الجديد!”
وفجأة… تتحول أبسط تفاصيل حياته إلى قضية رأي عام:
إذا ابتسم: قالوا تغيّر.
وإذا صمت: قالوا شايف نفسه.
وإذا اجتهد: قالوا متصنع.
وإذا جلس وحده: قالوا يخطط لشيء كبير!
أما هو… فغالبًا جالس أمام شاشة الإكسل، يحاول فقط أن يفهم لماذا الملف لا يفتح.
لكن الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها… أن النجاح يزعج أحيانًا، ليس لأنه سيئ، بل لأنه يذكّر الآخرين بما كانوا يستطيعون فعله ولم يفعلوه.
فالناس لا تجتمع على شخص عادي، ولا تُفعّل فيه: نون النسوة، وجمع المذكر السالم، وإنَّ وأخواتها، وكان وأخواتها، وحروف الجر، والأفعال الخمسة، والماضي والمضارع والأمر، وعلامات التعجب والاستفهام…
إلا لأنه، ببساطة، نجح نجاحًا أخرج المؤسسة كلها من صمتها اللغوي!
وفي النهاية… سيبقى الموظف المتميز يعمل بهدوء، بينما يبقى الآخرون منشغلين بتحليل: طريقة مشيه، ونوع قهوته، وسر ابتسامته، وتوقيت دخوله، وحتى سبب تغييره لخلفية الجوال.
أما أعظم إنجاز حققه هذا الموظف… فليس التكريم، ولا التميز، ولا الشهادة…
بل أنه استطاع، دون قصد، أن يجعل المؤسسة كلها تطبق قواعد اللغة العربية عمليًا لأول مرة في حياتها.




