«خاطبات» في عالم النمل.. عاملات تنقل الملكات الشابات إلى أعشاش غريبة للحد من زواج الأقارب
في اكتشاف علمي يكشف جانبًا مدهشًا من أسرار الحياة الاجتماعية لدى الحشرات، وثّق باحثون سلوكًا تكاثريًا غير مألوف لدى أحد أنواع النمل، تتولى فيه العاملات نقل الإناث الملكية الشابة إلى مستعمرات أخرى، في عملية تساعد على تعزيز التنوع الوراثي والحد من الآثار السلبية للتزاوج المتكرر بين الأقارب.
وأظهرت دراسة نشرتها مجلة «Communications Biology» العلمية في الثالث من مايو 2021، أن العاملات لدى نمل Cardiocondyla elegans تؤدي دورًا يشبه الوساطة في اختيار شركاء التزاوج، إذ تحمل الإناث الملكية من أعشاشها الأصلية إلى مستعمرات أخرى تختلف عنها وراثيًا، حيث تتاح لها فرص التزاوج مع ذكور من خارج مستعمراتها.
ست سنوات من البحث تكشف سلوكًا استثنائيًا
تابع فريق علمي مستعمرات هذا النوع من النمل خلال الفترة من عام 2014 إلى عام 2019، في سبعة مواقع بجنوب فرنسا، ورسم خرائط لمواقع 175 مستعمرة.
وخلال المراقبة الميدانية، وثّق الباحثون 453 حالة نقل لإناث ملكية شابة، وتمكنوا من تحديد مستعمرتي الانطلاق والوصول في 141 حالة، ما أتاح دراسة طبيعة التنقل والعلاقات الوراثية بين المستعمرات.
وتتميز العاملات بصغر حجمها، إذ يتراوح طولها بين ملليمترين وثلاثة ملليمترات، لكنها تستطيع حمل الإناث الملكية باستخدام فكّيها، ونقلها فوق أجسامها لمسافات تبلغ عدة أمتار.
ورصد الباحثون أن العاملات تتحرك أثناء النقل في مسارات شبه مستقيمة، ولا تغير اتجاهها عادة إلا عند مواجهة عوائق طبيعية، مثل الحجارة أو الأعشاب الكثيفة.
لماذا تتجاوز العاملات المستعمرات القريبة؟
من أبرز الملاحظات التي أثارت اهتمام العلماء أن العاملات لم تكن تتوقف دائمًا عند أقرب عش، بل شوهدت وهي تتجاوز مستعمرات مجاورة قبل إيصال الإناث الملكية إلى مستعمرات أخرى.
كما لاحظ الباحثون نقل عدة إناث إلى المستعمرة المستقبلة نفسها، وهو ما يثير احتمال أن تكون العاملات على معرفة مسبقة بمواقع بعض الأعشاش المحيطة.
غير أن الدراسة أوضحت أن هذه الملاحظات لا تثبت بصورة نهائية وجود اختيار واعٍ أو انتقائي للمستعمرات وفق خصائص الذكور الموجودة فيها، إذ قد تعتمد العاملات على مواقع تعرفت إليها سابقًا خلال رحلات البحث عن الغذاء.
سر العملية.. ذكور لا تغادر أعشاشها
يرتبط هذا السلوك بطبيعة التكاثر لدى نمل Cardiocondyla elegans، حيث يتميز الذكور بعدم امتلاك الأجنحة، ويقضون حياتهم داخل المستعمرات، ما يجعل فرص انتقالهم إلى أعشاش أخرى محدودة للغاية.
وفي المقابل، تستطيع الإناث الملكية التزاوج مع أكثر من ذكر، لكنها لا تعتمد على رحلات الطيران المعتادة لدى أنواع أخرى من النمل للبحث عن شركاء التزاوج.
وأظهرت التحليلات الوراثية أن نسبة التزاوج بين الأشقاء في العينات التي درسها الباحثون قُدّرت بنحو 37% إلى 66%، ما يؤكد أن التزاوج بين الأقارب يحدث بالفعل لدى هذا النوع.
لكن استمرار التزاوج بين الأقارب عبر أجيال متعاقبة قد يسبب آثارًا وراثية سلبية، تشمل تراجع بعض مؤشرات النجاح التكاثري والبقاء.
ومن هنا تبرز أهمية نقل الإناث الملكية إلى مستعمرات أخرى، إذ يتيح لها فرصًا إضافية للتزاوج مع ذكور مختلفة وراثيًا.
مفاجأة علمية.. بعض الملكات تتزاوج قبل مغادرة أعشاشها
كشفت الدراسة أن معظم الإناث الملكية التي خضعت للفحص كانت قد تزاوجت بالفعل قبل نقلها إلى مستعمرات أخرى.
ويعني ذلك أن العاملات لا تمنع التزاوج بين الأقارب بصورة مطلقة، بل تساعد على إتاحة فرص إضافية للتزاوج الخارجي، بما يعزز التنوع الوراثي لدى الأجيال التالية.
وتشير النتائج كذلك إلى احتمال انتقال بعض الإناث الملكية بين أكثر من مستعمرة، بما يسمح لها بالتزاوج مع ذكور متعددة من خلفيات وراثية مختلفة.
شتاء في أعشاش غريبة.. وانطلاقة جديدة في الربيع
ولا تنتهي القصة عند التزاوج؛ إذ تقضي الإناث الملكية فصل الشتاء داخل المستعمرات المستقبلة، قبل مغادرتها في الربيع سيرًا على الأرض، لتبدأ مرحلة تأسيس مستعمراتها الجديدة.
وطرح الباحثون احتمال أن يؤدي توزيع الإناث على مستعمرات متعددة إلى تقليل مخاطر فقدانها جميعًا خلال فصل الشتاء، خصوصًا أن بعض مستعمرات هذا النوع توجد قرب ضفاف الأنهار، حيث قد تتعرض الأعشاش للفيضانات.
إلا أن هذه الفائدة المحتملة لا تزال تفسيرًا علميًا يحتاج إلى اختبارات إضافية.
هل يمتلك النمل «خاطبات» بالفعل؟
استخدم الباحثون تشبيهًا قريبًا من مفهوم الوساطة في اختيار شركاء الزواج لدى البشر، لوصف الدور الذي تؤديه العاملات في نقل الإناث الملكية إلى مستعمرات أخرى.
ويكتسب هذا السلوك أهميته من مشاركة طرف ثالث في توفير فرص التزاوج، بدل اقتصار العملية على الذكور والإناث المشاركين فيها مباشرة.
لكن هذا التشبيه لا يعني امتلاك النمل مفاهيم بشرية عن الزواج أو القدرة على اتخاذ قرارات اجتماعية واعية.
فالسلوك الذي وثقته الدراسة يُفسَّر في إطار التطور البيولوجي والانتقاء الطبيعي، مع استمرار البحث في الآليات التي تساعد العاملات على تحديد وجهاتها.
اكتشاف يفتح آفاقًا جديدة أمام العلماء
تقدم نتائج الدراسة نموذجًا غير مألوف للتفاعل بين التنظيم الاجتماعي والتكاثر لدى الحشرات، وتثير تساؤلات بشأن إمكانية وجود سلوكيات مشابهة لدى أنواع أخرى من النمل والكائنات الاجتماعية.
كما تبرز أهمية الدور الذي قد تؤديه العاملات، رغم عدم مشاركتها المباشرة في التكاثر، في توفير فرص تزاوج تؤثر في التنوع الوراثي للأجيال اللاحقة.
ويكشف هذا السلوك أن الحياة داخل مستعمرات النمل أكثر تعقيدًا مما قد يبدو للوهلة الأولى، وأن بعض التفاصيل الدقيقة في عالم الحشرات تحمل تفسيرات علمية واسعة تتصل بالتطور والوراثة واستراتيجيات البقاء.



