استنزاف…!

امل الزهراني - أميرة الخواطر والقلوب
ليس كل ما يُرهق الإنسان يأتي من كثرة العمل، فهناك استنزافٌ أشد قسوة؛ استنزاف الروح حين تُسخِّر نفسك لإصلاح ما لا تفسده، وحمل ما ليس من مسؤوليتك، وإنقاذ ما لا يحاول أصحابه إنقاذه.
قد تمضي في الحياة، وتلتقي بأشخاصٍ لا تستمر العلاقة معهم إلا إذا دفعت من رصيدك النفسي والعاطفي في كل مرة. تصبح أنت الباحث عن الحلول لكل أزمة، والمبادر لإخماد كل خلاف، والحامل لأعباء الجميع، وكأن استقرار حياتهم مرهون باستنزافك.
تُبرِّر لما لم ترتكبه، وتعتذر عن أخطاء لم تكن سببًا فيها، وتُرهق نفسك في ترميم ما يهدمه الآخرون ببرود، حتى تتحول طاقتك التي كان الأولى أن تُستثمر في بناء أحلامك، والفرح بمنجزاتك، والاعتزاز بما حققته، إلى وقودٍ لإرضاء من لا يرى في عطائك سوى واجبٍ مفروض عليك.
وما أقسى أن يكون جزاء الإخلاص عتابًا، وجزاء التضحية إهمالًا، وجزاء الجهد لومًا. فتُحاسب لأنك كنت الأكثر وعيًا، والأبعد نظرًا، والأقدر على إدراك عواقب الأمور، بينما يكتفي من حولك بالنظر إلى اللحظة، غير عابئين بما قد تؤول إليه الأيام.
تخطط للمستقبل، وتحسب لكل خطوة حسابها، وتحرص على بقاء الكيان الذي يجمعكم، بينما يقف الآخرون موقف المتفرج، لا يتحركون إلا ما دمت أنت تتحرك، ولا يبذلون إلا ما دمت أنت تبذل. فإذا توقفت يومًا، توقفت معهم كل المحاولات، لأنهم اعتادوا أن تحمل عنهم كل شيء.
وعندما تُنهك، وتستنزف آخر ما لديك، وتدرك أن كل ما قدمته لم يكن موضع تقدير، تعلم أن بعض العلاقات لا تستمر بالمحبة، بل باستمرار عطائك وحدك، فإذا انقطع عطاؤك انكشفت حقيقتها.
لذلك، تعلّم أن تتوقف حين يصبح عطاؤك استنزافًا، وأن تحفظ لقلبك حقه قبل أن تهبه للآخرين. فلا تمنح أكثر مما يحتمله وجدانك، ولا تبذل حتى تنطفئ، فالعطاء لا يزدهر إلا حيث يُقدَّر، والوفاء لا يثمر إلا في القلوب التي تعرف قيمة من أحبها، أما العقول التي اعتادت الأخذ، والنفوس التي لا تشعر، فلن يملأها عطاء، ولن يوقظها تضحية، مهما عظمت.



