في كواليس الحضور وغيابات الروح

الراسية الطويرقي
حين تصبح المساحة ضيقة في عين الرائي، لا يعود الأفق يتسع لاثنين. وهناك نوع من العداء الصامت الذي لا يرفع شعاراً، ولا يفتعل جلبة، بل يتسلل في تفاصيل الثناء المغشوش، وينمو في المسافة الفاصلة بين التبريك والتبخيس. إنه ليس صراعاً على القمة، بل هو ذعر من أن يلتفت الضوء لغيرهم، فيكشف عتمة زواياهم الباطنة.
فلسفة الكفاءة والاحتلال
في شرعة النفوس المتعبة، لا يُقاس الامتياز بما تشيده الأيدي، بل بما تستطيع هدمه من صروح الآخرين. فالأصالة تنظر إلى النجاح كأرض بكر تزرع فيها لتثمر، وترى في تميز غيرها دافعاً للارتقاء، بينما ترى الوصاية الزائفة الوجود كعكعة محدودة، وكل قطعة تنالها امرأة أخرى هي اقتطاع مباشر من رصيدها المتخيل. ولذلك لا تفهم هذه النفوس منطق الوفرة، بل تعيش في شح عاطفي دائم يجعل من غياب الآخر شرطاً وحيداً لحضورها.
إن محاولة إطفاء شعلة غيرك لن تجعل مصباحك أكثر بريقاً، بل ستتركك واقفاً في الظلام ذاته يحاصرك رماد الآخرين.
الكيد الأبيض.. طعنات بلا نصول
المعارك الأكثر شراسة هي تلك التي تخاض بأسلحة ناعمة، كالمقارنة المغلّفة بالشفقة، والنصيحة التي تُلقى في العلن لتشبه العتاب، والمديح الشحيح الذي يتبعه مئة تحفظ. وهذا الكيد الأبيض لا يترك أثراً تدينه المحاكم، لكنه يترك ندوباً في فضاء العلاقات. إنها الفلسفة المقلوبة للاستحقاق، حيث يعجز المرء عن مجاراة الخطوة بالخطوة، فيتحول الجهد كله إلى محاولة لعرقلة السير، وكأن تجميد حركة الآخرين هو قمة الإنجاز.
عبء المقارنة الأبدية
المرأة التي تجعل من محو الأخريات هويتها تعيش في سجن مؤبد من صنع يديها. وهي ليست في منافسة مع امرأة بعينها، بل في منافسة مع شبح مقارنتها بذاتها. فكل تميز جديد، وكل ثناء عابر يُقال في حق غيرها، يتحول في أعماقها إلى إدانة صامتة لقلة حيلتها.
والذات الحقيقية تبني انطلاقاً من عمقها، بينما تعيش الذات المستعارة على أصداء التراجع لدى الآخرين. وفي نهاية المطاف، فإن من تبني بيتها على أنقاض غيرها ستظل مرعوبة من الريح، لأن الأساس لم يكن يوماً صلابة جدرانها، بل كان ضعف جدران الجيران.
والتحرر الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن النور يتسع للجميع، وأن انخفاض من حولنا لن يرفعنا خطوة واحدة نحو السماء.



