Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

حين يصبح القلب كاتبًا

امنه حكمي

امنه حكمي

منذ أن عرف الإنسان الكتابة، بقيت الرسائل أكثر من مجرد كلمات تُكتب، كانت وطنًا صغيرًا تهاجر إليه المشاعر كلما ضاقت بها الحياة.

أؤمن أن الرسائل هي أول أشكال التعبير الصادق عن مشاعرنا، لأنها تُكتب في لحظة يكون فيها القلب وحده هو المتحدث، فلا جمهور ينتظر التصفيق، ولا مناسبة تفرض المجاملات، ولا وجوه نخشى أن نخذلها بابتسامة ناقصة. هناك فقط إنسان، وقلب، وورقة… أو شاشة، تحمل ما عجز اللسان عن قوله.

في الحياة قد نجامل كثيرًا. نبارك في المناسبات، ونبتسم في اللقاءات، ونختار كلمات تليق بالموقف أكثر مما تشبه شعورنا. ليس لأننا نكذب، بل لأن الحياة الاجتماعية تفرض علينا أحيانًا أن نكون لطفاء أكثر من كوننا صادقين.

أما الرسالة… فهي لا تعرف هذا كله.

الرسالة لا تبحث عن إعجاب أحد، ولا تنتظر تصفيقًا، ولا تخشى أن تُظهر ضعف صاحبها أو شوقه أو حنينه. إنها تقول الحقيقة كما هي، بكل ما فيها من ارتباك، ومن لهفة، ومن حب، ومن عتاب صادق، ومن اعتذار، ومن أمنيات.

كم من رسالة أعادت الحياة إلى قلب أنهكه الغياب، وكم من رسالة كانت حضنًا دافئًا لإنسان فرّقت بينه وبين من يحب المسافات. فالكلمات الصادقة تمتلك قدرة عجيبة على اختصار الطرق الطويلة، وكأنها تقول: «أنت ما زلت على بالي»، وما زال هنا مودة وحب واحترام وتقدير للسنين.

«أنا هنا… من أجلك رغم المسافات، ورغم كل شيء.»

ولعل أجمل الرسائل هي تلك التي لا تُكتب من أجل الرد، بل من أجل أن يصل الشعور. فالكاتب الحقيقي لا ينتظر جوابًا بقدر ما ينتظر أن يجد قلبه بعض السكينة بعد أن يبوح بما كان يخفيه من مشاعر صادقة.

ولهذا تبقى الرسائل شاهدة على أجمل ما في الإنسان؛ صدقه، ووفاءه، وضعفه الجميل، وقدرته على أن يحب دون ضجيج. وربما لهذا السبب لا تشيخ الرسائل أبدًا، فبعد سنوات طويلة قد نفتح رسالة قديمة، فنجد أن الكلمات ما زالت تحتفظ بحرارة اليد التي كتبتها، وأن المشاعر ما زالت تنبض بين السطور، وكأن الزمن احترم صدقها ولم يجرؤ على أن يمسها.

أحب الرسائل لأنها لا تحمل الحروف فقط، بل تحمل مشاعر أصحابها الصادقة، تحمل أصواتهم، وملامحهم، وقلقهم، ولهفتهم، وكل ما لم يستطيعوا قوله وهم ينظرون في أعين من يحبون.

ولهذا سأظل أؤمن أن أجمل ما يقدمه الإنسان لمن يحب ليس هديةً ثمينة، ولا وعدًا كبيرًا، بل رسالة صادقة يكتبها في ليلة هادئة، يترك فيها قلبه يتحدث دون خوف، لأن المشاعر حين تُكتب بصدق، لا تموت أبدًا… بل تبقى حيّة في ذاكرة من أحببنا، حتى وإن فرّقت بيننا الأيام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى