عندما تضعنا المهنة في قفص الاتهام: عثرات الصداقة وحساسية الصراحة

روان حبال
في رحلتنا كأخصائيين اجتماعيين ونفسيين، ندرك تمامًا أن العلاقات الإنسانية هي أكثر الأنسجة تعقيدًا؛ فبينما نبني جسورًا من الود، والمصلحة المشتركة، والفرح في المناسبات، ننسى أحيانًا أن للمهنة «ظلًا» يتبعنا أينما ذهبنا، يراه الآخرون حتى لو أغلقنا باب العيادة خلفنا.
حكاية من واقع الود والمصلحة
بدأت القصة كأي صداقة جميلة، مبنية على التشارك، وتبادل الدعم والمودة. كانت هناك صديقة أعتز بوجودها في حياتي، ونتقاسم معًا تفاصيل الفرح والمناسبات. ولكن، في العلاقات المقربة، غالبًا ما تتداخل الدوائر الاجتماعية.
في أحد الأيام، دار حديث عابر بيني وبين «زوجة أخيها» (أو مرت أخيها)، حديث لم يكن يحمل سوى البساطة، لكنه تحول لاحقًا، دون قصد، إلى فتيل لأزمة لم أتوقعها.
ثار غضب بين الصديقة وزوجة أخيها بسبب معلومات ظنوا أنها خرجت من مساحتي، فما كان من الزوج إلا أن عاتب أخته، وتدحرجت كرة الثلج حتى وصلت إليّ.
الصدمة: «لسنا مرضى في عيادتك»
لم يكن العتاب عاديًا، بل جاء محملًا بعبارات أصابت قلبي المهني والشخصي معًا.
قالت لي صديقتي:
«أرجوكِ لا تتواصلي مع أحد من أصدقائنا أو أهلنا، اجعلي كلامك محدودًا.. نحن لسنا مرضى في العيادة، اجعلي كلامك سطحيًا حتى لا يهاجمكِ أحد. الناس تتحسس من الصراحة، والأفضل أن تسايري الجميع».
هذه الكلمات تختزل أزمة حقيقية يواجهها كل من يعمل في مجال الاستشارات والعلاقات الإنسانية:
1. صورة «المُحلل» المستمرة
ينظر إلينا المحيطون بنا دائمًا بعين الحذر، ظنًا منهم أن كل كلمة، أو سؤال، أو نقاش عابر هو «جلسة علاجية» أو محاولة للتدخل والتحليل، بينما نحن في النهاية بشر نعيش بعفوية وتلقائية في حياتنا الخاصة.
2. الخوف من الصراحة
كما قالت الصديقة: «الناس تتحسس من الصراحة».
في المجتمعات، تُفضّل «المسايرة» والسطحية أحيانًا كدرع حماية، بينما تدفعنا طبيعتنا المهنية إلى الوضوح والعمق، وهو ما قد يُفهم خطأً على أنه هجوم أو كشف للأوراق.
مراجعة الذات وبناء الحدود النفسية
هذا الموقف، رغم مرارته، يحمل درسًا بليغًا لكل أخصائي:
حماية المساحة الشخصية
ليس كل من يقترب منا قادرًا على الفصل بين شخصيتنا الإنسانية وصفاتنا المهنية. لذا، تصبح السطحية والمسايرة، في بعض الدوائر، ليست نفاقًا، بل «ذكاءً اجتماعيًا» لحماية أنفسنا من سوء الفهم.
إعادة تعريف الصداقة
الصداقة الحقيقية تحتاج إلى مساحة من الأمان والثقة؛ فإذا تحولت العلاقة إلى حذر دائم وخوف من الكلمة، فقدت روحها.



