Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

منال فيصل هاشم الشريف الهجاري: أسئلة الإعلام التي لا تُقال بصوت عالٍ

في زمنٍ تغيّرت فيه ملامح الإعلام، وتسارعت فيه المنصات قبل أن تنضج الأسئلة، تبقى بعض التجارب شاهدة على معنى الاستمرار لا الظهور، وعلى قيمة الكلمة حين تُقال بوعي، لا حين تُستهلك

إعداد وإدارة الحوار : محمد منيع أبو زيد إسراء الحرف للخدمات الصحفية

إعداد وإدارة الحوار : محمد منيع أبو زيد إسراء الحرف للخدمات الصحفية

منال فيصل هاشم الشريف الهجاري ليست اسمًا عابرًا في المشهد الإعلامي السعودي، بل تجربة تراكمت بهدوء، عبر سنوات من العمل، والتحرير، والمواجهة اليومية مع الأسئلة الصعبة:

أين يقف الإعلام؟
وأين يجب أن يقف؟

هذا الحوار لا يبحث عن السيرة، بل عن الرؤية.
ولا يسأل عن المناصب، بل عن المعنى.

أولًا: التجربة والوعي المهني

1 | بعد سنوات طويلة في الإعلام، ما الذي تغير في نظرتكِ للمهنة… وما الذي لم يتغير؟

تغيرت أدوات الإعلام وسرعة وصول الخبر، وأصبحت المنافسة على السبق أكبر من أي وقت مضى، لكن ما لم يتغير هو أن الإعلام الحقيقي يبقى رسالة قبل أن يكون مهنة. مع السنوات أدركت أن قيمة الصحافي لا تُقاس بعدد الأخبار التي ينشرها، بل بقدرته على بناء الثقة مع جمهوره.

المصداقية والموضوعية واحترام عقل المتلقي هي الثوابت التي لا تتغير مهما تغيرت المنصات.

2 | متى شعرتِ أن الإعلام لم يعد مجرد عمل، بل مسؤولية أخلاقية؟

شعرت بذلك منذ بداياتي عندما رأيت كيف يمكن لكلمة واحدة أو عنوان غير دقيق أن يؤثر في حياة أشخاص أو في سمعة مؤسسات. في تلك اللحظات أدركت أن الكلمة أمانة، وأن الصحافي لا ينقل الأحداث فقط، بل يتحمل مسؤولية الطريقة التي يروي بها الحقيقة، دون تهويل أو تضليل أو استغلال.

3 | هل الخبرة تمنح الصحافي يقينًا أكبر، أم شكًا أعمق؟

الخبرة لا تمنح يقينًا مطلقًا، بل تمنح شكًا مهنيًا صحيًا. كلما ازداد الصحافي خبرة، أصبح أكثر حرصًا على التحقق، وأكثر إدراكًا لأن الحقيقة قد تكون أعقد مما تبدو عليه. لذلك أؤمن أن الشك المنهجي هو أحد أهم أدوات الصحافة، لأنه يقود إلى الدقة وليس إلى التردد.

فالصحافي المحترف لا يسارع إلى التصديق ولا إلى النفي، بل يبحث عن الأدلة، ويقارن بين المصادر، ويمنح الحقيقة الوقت الذي تستحقه لتظهر.

4 | ما اللحظة التي شعرتِ فيها أن الصمت الصحافي كان أصدق من النشر؟

هناك مواقف يكون فيها النشر قانونيًا، لكنه ليس إنسانيًا أو أخلاقيًا. عندما يكون نشر معلومة غير مكتملة قد يضر بأشخاص أبرياء، أو يزيد من آلام أسرة، أو يثير البلبلة دون فائدة حقيقية، فإن التريث يصبح قرارًا مهنيًا مسؤولًا. أؤمن أن الصحافي لا يُقاس فقط بما ينشره، بل أيضًا بما يختار ألا ينشره عندما تقتضي المصلحة العامة.

ثانيًا: المرأة والإعلام

5 | هل كان حضور المرأة في الإعلام معركة، أم مسارًا طبيعيًا بالنسبة لكِ؟

لم أعتبره معركة بقدر ما كان رحلة إثبات للكفاءة. في بداياتي كانت الفرص أمام المرأة أقل، وكانت بعض الأدوار الإعلامية تُحاط بتصورات مسبقة، لكنني كنت أؤمن أن المهنية والمعرفة والاستمرارية قادرة على كسر هذه الحواجز. لذلك لم أنشغل بإثبات أنني امرأة قادرة على العمل، بل ركزت على أن أكون إعلامية قادرة على صناعة الفرق.

وكنت المرأة الوحيدة في اجتماعات التحرير في عدة صحف، منها: الوطن، المدينة، عكاظ، البلاد، وبمنصب مديرة القسم النسائي.

وها أنا الآن الوحيدة في عضوية مجلس إدارة مؤسسة عسير للصحافة والنشر.

6 | ما أكثر تصنيف شعرتِ أنه ظالم للمرأة الإعلامية؟

حصر المرأة الإعلامية في صورتها أو حضورها الشكلي، وكأن نجاحها مرتبط بما تظهره الكاميرا أكثر مما يقدمه عقلها وخبرتها. هذا التصنيف تجاهل لعشرات الإعلاميات اللاتي قدن مؤسسات، وأدرن غرف أخبار، وصنعن محتوى مؤثرًا، وحققن إنجازات مهنية كبيرة محليًا وعالميًا.

7 | هل لا يزال يُطلب من الإعلامية أن تثبت أكثر مما يُطلب من الرجل؟

في بعض البيئات نعم، وإن كانت الفجوة تضيق عامًا بعد عام. أحيانًا تُمنح أخطاء الرجل صفة الاجتهاد، بينما تُحمّل المرأة مسؤولية مضاعفة لإثبات جدارتها. لكن الواقع اليوم يشهد تحولًا مهمًا؛ فالكفاءة أصبحت المعيار الأكثر حضورًا، والمرأة السعودية تحديدًا أثبتت قدرتها على المنافسة والقيادة في مختلف القطاعات الإعلامية.

8 | متى يصبح الدفاع عن قضايا المرأة عبئًا على الإعلامية نفسها؟

عندما يُختزل دورها المهني بالكامل في هذا الملف، أو عندما يُفترض أنها تتحدث فقط من منطلق شخصي لا مهني. الإعلامية تستطيع أن تدافع عن قضايا المرأة ضمن إطار العدالة والتنمية والمصلحة العامة، لكن من المهم ألا تُسجن في قالب واحد، لأن رسالتها أوسع من أي قضية منفردة.

ثالثًا: الجرأة والحدود

9 | كيف تفرقين بين الجرأة المهنية والاندفاع الإعلامي؟

الجرأة المهنية تنطلق من الحقائق والمسؤولية والوعي بتأثير الكلمة، أما الاندفاع الإعلامي فينطلق غالبًا من الرغبة في إثارة الجدل أو تحقيق الانتشار السريع. الجرأة تبحث عن الحقيقة حتى لو كانت صعبة، بينما الاندفاع يبحث عن ردود الفعل حتى لو كانت النتائج مؤذية أو غير دقيقة.

10 | هل هناك قضايا اخترتِ عدم الاقتراب منها رغم أهميتها؟ ولماذا؟

نعم، هناك ملفات تتطلب معلومات مكتملة أو ظروفًا مناسبة للمعالجة المهنية. كنت أؤمن دائمًا أن الامتناع المؤقت عن تناول قضية أفضل من تناولها بمعلومات ناقصة أو بطريقة قد تضر أكثر مما تنفع. المسؤولية المهنية تفرض أحيانًا الانتظار حتى تتضح الصورة كاملة.

11 | ما الثمن الذي قد يدفعه الصحافي حين يكون صادقًا أكثر من اللازم؟

قد يدفع ثمنًا مهنيًا أو شخصيًا، وقد يواجه ضغوطًا أو سوء فهم أو انتقادات حادة. لكن الصدق المهني لا يعني التهور أو المواجهة غير المحسوبة، بل يعني التمسك بالحقيقة مع الحكمة في عرضها. وفي النهاية تبقى المصداقية هي الرصيد الأهم الذي يحمله الصحافي طوال مسيرته.

12 | هل ترين أن بعض “الضجيج الإعلامي” اليوم يضر أكثر مما يخدم؟

بالتأكيد. في عصر السرعة أصبحت بعض المنصات تكافئ الإثارة أكثر من المعلومة، وهذا قد يؤدي إلى تشتيت الجمهور وإضعاف الثقة بالمحتوى الإعلامي. الإعلام المؤثر ليس الأعلى صوتًا، بل الأكثر دقة وعمقًا وقدرة على تقديم قيمة حقيقية للناس. بين الضجيج والتأثير فرق كبير، والإعلام المهني يدرك هذا الفرق جيدًا.

رابعًا: الإعلام والتحول الرقمي

13 | كيف تنظرين إلى تأثير المنصات الرقمية على الصحافة التقليدية؟

لا أرى أن المنصات الرقمية ألغت الصحافة التقليدية، بل أجبرتها على إعادة تعريف نفسها. الخبر لم يعد حكرًا على الصحف أو القنوات، لكن التحليل، والتفسير، والتحقق، وصناعة السياق، ستبقى قيمة الصحافة الحقيقية. المنصات الرقمية منحت الإعلام سرعة وانتشارًا غير مسبوقين، لكنها في الوقت نفسه رفعت مسؤولية الصحافي في التحقق من المعلومة قبل نشرها.

14 | هل تشعرين أن سرعة النشر اليوم تفقد الخبر عمقه؟

في كثير من الأحيان نعم. السباق نحو أن تكون الأول في النشر قد يأتي أحيانًا على حساب أن تكون الأدق أو الأعمق. الخبر لا يكتمل بمجرد وصوله إلى الجمهور، بل يكتمل عندما يضعه الصحافي في سياقه، ويشرح أسبابه وتداعياته. لذلك أؤمن أن السرعة ميزة، لكنها لا ينبغي أن تكون على حساب الجودة.

15 | ما الذي تخافين أن يخسره الإعلام في ظل هذا التحول السريع؟

أخشى أن يخسر الإعلام ثقافة التحقق، وأن يتحول الاهتمام من قيمة المعلومة إلى عدد المشاهدات. كما أخشى أن يتراجع دور الصحافي بوصفه باحثًا عن الحقيقة، ليصبح مجرد ناقل لما يتداول على المنصات. التكنولوجيا تتغير باستمرار، لكن المصداقية ستظل العملة الأغلى في أي زمن.

وأقولها بوجع: خسر الإعلام اليوم غياب الصحافي الحقيقي أمام ضجيج المحتوى

خامسًا: الإنسان خلف الصحافية

16 | منال الإنسانة… ماذا تحرص أن يبقى بعيدًا عن الإعلام؟

أحرص أن تبقى حياتي الخاصة وعائلتي خارج دائرة الضوء. أؤمن أن للصحافي أو الإعلامي الحق في مساحة شخصية لا تكون مادة للنشر أو النقاش. ما يهم الجمهور هو مهنيتي، ومصداقيتي، وما أقدمه من قيمة، أما عائلتي وتفاصيل حياتي الخاصة فهي مساحة أحميها وأحترم خصوصيتها. وأعتبر الحفاظ عليها جزءًا من التوازن الذي يحتاجه أي إعلامي.

17 | ما الذي يمنحكِ التوازن خارج العمل؟

أجمل ما يعيد إليّ توازني هو الوقت الذي أقضيه مع عائلتي، والقراءة، والسفر، والتأمل، وكل ما يمنحني فرصة للابتعاد قليلًا عن ضجيج الأخبار. كما أن المشي وممارسة الرياضة يساعدانني على تصفية الذهن واستعادة الطاقة، لأن الإعلامي يحتاج إلى أن يعتني بنفسه حتى يستطيع أن يعتني بما ينقله للناس.

18 | هل التعب في هذه المهنة تعب ذهني أم نفسي أكثر؟

هو مزيج من الاثنين، لكنني أرى أن التعب النفسي هو الأصعب. فالصحافي يتعامل يوميًا مع قصص تحمل آلام الناس وأفراحهم وأزماتهم، ويعيش تحت ضغط الدقة والوقت والمسؤولية. ومع ذلك، عندما تؤمن برسالة الإعلام، يصبح هذا التعب جزءًا من شغف المهنة، وليس سببًا للتراجع.

أذكر أن هناك قصة كتبتها في صحيفة الوطن عن أب قتل أبنائه الاثنين تحت تأثير المخدرات، حينها لم أستطع النوم، وواصلت إلى اليوم التالي.

سؤالان مفتوحان

19 | لو عاد بكِ الزمن إلى بداياتكِ، ما النصيحة التي لن تتجاهليها؟

سأقول لنفسي: لا تتعجلي النتائج، وابني اسمكِ قبل أن تبحثي عن الشهرة. فالمسيرة الإعلامية ليست سباقًا قصيرًا، بل تراكم من المواقف والعمل الجاد. كما سأذكر نفسي بألا أستهلك طاقتي في محاولة إرضاء الجميع، والأهم أن أوازن بين نجاحي المهني وحياتي الشخصية، فالنجاح الحقيقي بالنسبة لي ليس منصبًا ولا لقبًا، بل أثرٌ طيب يبقى بعدك. أن تغادر مكانك وقد تركت قيمة، وأن يذكرك الناس بمصداقيتك وأخلاقك قبل إنجازاتك. النجاح أن تنام مرتاح الضمير، وأن تشعر أن ما قدمته كان له معنى، وأن تكون قد كسبت احترام الناس قبل إعجابهم.

20 | ما السؤال الذي تتمنين أن يُطرح على الإعلام اليوم… ولا يُطرح؟

أتمنى أن يكون السؤال:

هل لا يزال الإعلام يصنع الوعي، أم أصبح يلاحق اهتمام الجمهور فقط؟

هذا السؤال، في رأيي، هو جوهر المرحلة التي نعيشها. فالإعلام لا ينبغي أن يقيس نجاحه بعدد المشاهدات أو التفاعل فقط، بل بقدرته على بناء وعي، وتصحيح مفاهيم، وتعزيز الحوار المسؤول. نحن بحاجة إلى إعلام يقود النقاش العام بعقلانية، لا أن ينجرف وراء ما تفرضه الخوارزميات أو ما يحقق الانتشار السريع. فالإعلام الذي يصنع الوعي يبقى أثره، أما الإعلام الذي يطارد الضجيج فينتهي بانتهاء اللحظة.

نهاية اللقاء

ربما لا يحتاج الإعلام دائمًا إلى أصوات أعلى، بل إلى عقول أهدأ، وإلى تجارب تعرف متى تتكلم… ومتى تصمت.

ومنال فيصل هاشم الشريف الهجاري واحدة من تلك التجارب التي لم تبحث يومًا عن الضوء، لكنها فهمت جيدًا أن الكلمة، حين تُقال بصدق، تعرف طريقها وحدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى