Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

ولو بشق تمرة

فاطمة عواجي

فاطمة عواجي

في الحياة أشياء تبدو صغيرة في أعيننا، لكنها تُحدث في أرواح الآخرين أثرًا لا تصنعه الأشياء الكبيرة. نصف تمرة، كلمة حانية، يدٌ تمتد في لحظة سقوط، أو حضورٌ صادق في زمن الغياب؛ أشياء قد لا تكلّفنا الكثير، لكنها لدى من يحتاج إليها قد تساوي الحياة كلّها.

قال رسول الله ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة».

ولعل الفلسفة العميقة في هذا الحديث لا تقف عند التمرة بوصفها طعامًا، بل تتجاوزها إلى معنى أوسع: لا تنتظر اكتمال قدرتك حتى تفعل الخير، ولا تجعل قلّة ما تملك عذرًا لحرمان الآخرين. أعطِ من نقصانك، وواسِ من ألمك، وأضئ ولو كنت تقاوم عتمتك؛ فليس شرطًا أن تكون ممتلئًا حتى تمنح، فقد يكون أجمل العطاء ما خرج من يدٍ لا تملك إلا القليل، ومن قلبٍ يعرف تمامًا معنى الاحتياج.

الحياة في حقيقتها تقوم على أنصاف الأشياء التي نُكمل بها بعضنا؛ قد لا نملك لأحدهم حلًّا كاملًا، ولكننا نملك كلمة تخفف عنه ثقل الطريق. وقد لا نستطيع تغيير واقعه، لكننا نستطيع ألّا نتركه يواجه واقعه وحيدًا. وربما لا نملك أن نعيد إليه ما فقد، لكننا نملك أن نبقى إلى جواره حتى يتعلّم كيف يعيش بعد الفقد.

ولكل إنسانٍ «شق تمرة» يستطيع تقديمه؛ الغني يمنح من ماله، والعالم من علمه، والقوي من قوته، وصاحب التجربة من حكمته، والمتعب ربما يمنح غيره فهمًا لا يجده عند من لم يتألم. حتى الإنسان المكسور يستطيع أن يجبر خاطرًا؛ لأنه أكثر الناس معرفةً بوجع الانكسار.

نحن لا نعرف المعارك التي يخوضها الآخرون في صمت. ذلك الذي يبتسم أمامنا قد يعود إلى بيتٍ موحش، ومن يبدو قويًّا ربما يستند إلى آخر ما بقي فيه من صبر، ومن تأخر في الرد قد يكون غارقًا في همٍّ لا يعرف كيف يشرحه. لذلك قد تكون كلمة: «أنا معك» شقَّ تمرة، وقد يكون السؤال الصادق عن الغائب صدقة، وقد يكون التغاضي عن زلّة معروفًا، وقد يكون الامتناع عن جرح قلبٍ أعظم من كثير من العطايا.

وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من ينقذه، بل إلى من يشعر به. لا يريد مواعظ طويلة ولا حلولًا مثالية، وإنما يحتاج إلى قلبٍ لا يحاكم ضعفه، وأذنٍ تسمع ارتباكه، ويدٍ تقول له من غير كلام: لن أتركك وحيدًا في هذه اللحظة. تلك التفاصيل العابرة في نظرنا قد تكون أبوابًا للنجاة في حياة الآخرين.

إننا نخطئ حين نقيس العطاء بحجمه، فالميزان الإنساني لا يقيس الأشياء كما تقيسها الأسواق. قد يفقد المال قيمته بعد إنفاقه، لكن المعروف يزداد قيمةً كلما مرّ عليه الزمن. وربما نسي الإنسان المبلغ الذي منحته إياه، لكنه لن ينسى أنك حفظت كرامته حين احتاج، ولم تجعله يشعر أنه أقل منك، ولم تتبع عطيتك بمنٍّ أو أذى.

وفي المقابل، كم من أشياء كبيرة فقدت معناها لأنها جاءت بلا روح! هدية ثمينة لم تستطع أن ترمم خاطرًا، واعتذار طويل لم يحمل صدقًا، وحضور كامل بالجسد كان غائبًا بالشعور. فليست قيمة ما نقدمه في كثرته، بل في مقدار الحياة التي يزرعها داخل قلبٍ آخر.

«ولو بشق تمرة» درسٌ في مقاومة التأجيل أيضًا. فنحن نؤجل الخير كما لو أن أعمارنا مضمونة؛ نقول سنسأل عنهم لاحقًا، وسنعتذر حين تهدأ الظروف، وسنعبّر عن محبتنا في وقتٍ مناسب، وسنساعد عندما تتحسن أحوالنا. ثم يمضي الوقت، وقد يرحل الأشخاص قبل أن تصل إليهم كلماتنا، وتُغلق الأبواب قبل أن نعبرها، وتتحول النيات الجميلة إلى أشياء لم تحدث.

لا تنتظر أن تصبح غنيًّا لتكون كريمًا، ولا سعيدًا لتواسي حزينًا، ولا خاليًا من الهموم لتسأل عن الآخرين. افعل ما تستطيع الآن؛ فالحياة لا تطلب منك دائمًا أن تغيّر العالم، وإنما أن تجعل الزاوية التي تمرّ بها أكثر رحمة.

وقد يكون شق التمرة الذي تقدمه اليوم هو ما يعود إليك غدًا بصورة أخرى: دعوة في ظهر الغيب، أو لطفٍ خفي في ساعة ضيق، أو قلبٍ يسخّره الله ليقف بجانبك عندما تتبدل الأدوار وتصبح أنت المحتاج. فالحياة دوائر، وما نزرعه في طرقات الآخرين قد نجده يومًا مزهرًا في طريقنا.

لا تحتقر شيئًا من الخير؛ فرب كلمة أعادت إنسانًا من حافة اليأس، ورب ابتسامة رممت يومًا مثقلًا، ورب عفو أنقذ علاقة، ورب نصف تمرة سبق كنوزًا كاملة إلى السماء. نحن لا ندري أي أعمالنا سيكون مفتاحًا للقبول، ولا أي موقفٍ صغير سيشهد لنا حين تصمت الأصوات كلها.

فامنح من وقتك ولو لحظة، ومن مالك ولو قليلًا، ومن قلبك ولو دعاء، ومن وجهك ولو ابتسامة؛ لأن الله لا ينظر إلى حجم ما في اليد بقدر ما يعلم صدق ما في القلب. ولعل بين الإنسان والنجاة خيرًا بسيطًا لم يحتقره… ولو كان شقَّ تمرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى