عندما يحاول العميل خداع الأخصائي النفسي… من الخاسر الحقيقي؟

روان حبال
يعتقد بعض العملاء أن بإمكانهم خداع الأخصائي النفسي، سواء بإخفاء الحقائق، أو اختلاق القصص، أو المبالغة في الأعراض، أو التقليل منها، ظنًا منهم أن ذلك سيحقق لهم مكسبًا معينًا أو سيجنبهم مواجهة واقع لا يرغبون في الاعتراف به.
لكن الحقيقة أن العلاقة العلاجية ليست تحقيقًا أو محاكمة، وليست ساحةً لإثبات الذكاء أو القدرة على المراوغة. الأخصائي النفسي لا يعتمد فقط على ما يُقال، بل يلاحظ الاتساق بين الحديث والسلوك، ويتابع تطور الحالة عبر الجلسات، ويستند إلى المعرفة العلمية والخبرة المهنية في فهم أنماط التفكير والانفعالات.
قد يدرك الأخصائي وجود تناقضات أو محاولات للتضليل، لكنه لا يواجهها دائمًا بشكل مباشر. ففي كثير من الأحيان يختار التوقيت والطريقة الأنسب للحفاظ على العلاقة العلاجية، لأن هدفه ليس كشف الكذب، بل فهم الدافع وراءه. فالكذب أو الإخفاء قد يكون في حد ذاته رسالة نفسية تعكس خوفًا، أو شعورًا بالخجل، أو انعدام الثقة، أو رغبة في حماية الذات.
وعندما يستمر العميل في خداع المعالج، فإنه في الواقع لا يخدع إلا نفسه. فهو يحرم نفسه من فرصة فهم مشكلاته الحقيقية، ويؤخر تقدمه العلاجي، وقد يبني الخطة العلاجية على معلومات غير دقيقة، مما يؤدي إلى نتائج أقل فاعلية وإطالة مدة العلاج.
العلاج النفسي يقوم على الصدق، وليس على الكمال. ليس مطلوبًا من العميل أن يكون مثاليًا، بل أن يكون صادقًا بقدر استطاعته. وحتى عندما يشعر بأنه غير قادر على قول الحقيقة كاملة، فإن مجرد التعبير عن خوفه من الإفصاح يُعد خطوة علاجية مهمة.
أما الأخصائي النفسي، فدوره ليس إصدار الأحكام أو كشف الأكاذيب لإحراج العميل، وإنما توفير مساحة آمنة تساعده على مواجهة نفسه تدريجيًا، وفهم أسباب دفاعاته، وبناء الثقة التي تمكنه من التغيير.
في النهاية، قد يظن العميل أنه انتصر عندما نجح في إخفاء الحقيقة، لكن الحقيقة أن أكبر الخسائر تقع عليه هو؛ لأنه حرم نفسه من الاستفادة الكاملة من العلاج. فالصدق في الجلسة ليس خدمةً للأخصائي، بل استثمار في صحة العميل النفسية ومستقبله وجودة حياته



