عقول بالإيجار..

وفاء احمد
العقل ليس عضوًا في الجسد فحسب، بل آخر حصن يملكه الإنسان.
ومع ذلك، هناك من يُسلِّمه للآخرين كما تُسلَّم مفاتيح منزلٍ لم يعد صاحبه يرغب في السكن فيه.
لم يعد الجميع يفكرون، بل أصبح كثيرون ينتظرون من يفكر عنهم. يكفي أن يتصدر أحدهم المشهد، أو يجيد الحديث، أو يحصد التصفيق، حتى تتحول كلماته إلى مسلمات، ويصبح التشكيك فيها خروجًا عن الصف، لا بحثًا عن الحقيقة.
الحشد لا يخلق الحقيقة، لكنه يجيد صناعة الوهم.
فالرأي، كلما كثر مرددوه، بدا للبعض أكثر صدقًا، وكأن الأصوات تُوزن بالعدد لا بالدليل. وهكذا يولد يقين هش، يقف على أكتاف المصفقين، لا على أرض المعرفة.
العقل الذي يتوقف عن السؤال يشبه بابًا تُرك مفتوحًا في مهب الريح.
تدخل إليه الأفكار كما تدخل الأوراق اليابسة، بلا استئذان، ثم تتراكم حتى يختنق المكان. وما أكثر الذين يظنون أنهم يحملون قناعاتهم، بينما هم في الحقيقة يحملون بقايا قناعات غيرهم.
الأفكار ليست عدوى، لكنها تصبح كذلك حين يتخلى الإنسان عن مناعته الفكرية. عندها يكفي أن يرفع أحدهم إصبعه في اتجاه معين، فتلتفت الرؤوس كلها إلى الاتجاه نفسه، لا لأنها رأت، بل لأنها رأت الآخرين ينظرون.
ولذلك، فإن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال، بل فقر العقل حين يكتفي بدور الناسخ. يردد، ويصفق، ويهاجم، ويؤيد، دون أن يتوقف لحظة ليسأل نفسه: هل هذا رأيي فعلًا، أم أنني استعرته حتى نسيت صاحبه؟
ليس كل من امتلك عقلًا استخدمه، فبعض العقول تحولت إلى مساكن مؤقتة، تستقبل كل فكرة عابرة، وتطرد أول سؤال جاد. وعندما يصبح التفكير عبئًا، والتقليد راحة، فلا تنتظر مجتمعًا يصنع المستقبل، بل قطيعًا يبحث فقط عمّن يسير أمامه.
فالعقل الذي يعيش بالإيجار… لا يملك حق الاعتراض على الطريق الذي يقوده إليه مالكه.



