حين تتحدث الشاشة بلهجات العالم،من يحفظ لهجتنا؟

رنا الجديبي
لم تعد الشاشة مجرد وسيلة للترفيه بل أصبحت نافذة الطفل الأولى على عالم واسع تتعدد فيه اللغات واللهجات والثقافات.
وبضغطة واحدة ينتقل بين محتوى من دول مختلفة، يسمع لهجات متعددة، ويتعرف على عادات وأنماط حياة بعيدة عن بيئته.
هذا الانفتاح يحمل فوائد كثيرة، لكنه يضع أمامنا سؤالًا مهمًا: هل يستطيع الطفل أن ينفتح على العالم دون أن يبتعد عن هويته؟
فالهوية ليست لغة فصحى نتعلمها في الكتب فقط، بل لهجة نسمعها في البيت، وحكايات يرويها الأجداد، وأكلات شعبية تحمل ذاكرة المكان، وأزياء وحرف وعادات تنتقل من جيل إلى آخر.
لكن بعض هذه التفاصيل بدأت تتراجع أمام سرعة الحياة والتقنية. قد يعرف الطفل ثقافات كثيرة، بينما لا يعرف قصة أكلة شعبية من منطقته، أو لا يستخدم لهجة أجداده، أو يرى الحرفة القديمة في صورة دون أن يعرف كيف كانت تُمارس.
والتحدي هنا ليس في التقنية نفسها، ولا في الانفتاح على الثقافات الأخرى؛ بل في قدرتنا على تقديم هويتنا لأطفالنا بطريقة تجعلهم يعتزون بها.
يمكن أن تكون وسائل التواصل جزءًا من الحل، لا المشكلة؛ من خلال توثيق اللهجات، وتسجيل حكايات كبار السن، وتصوير الحرف والأكلات الشعبية، وتقديم التراث بأسلوب حديث يناسب الجيل الجديد.
فنحن لا نريد لجيلنا أن يعيش بعيدًا عن العالم، بل نريده أن يعرف العالم وهو يعرف جذوره.
فالهوية التي لا نمارسها قد تضعف، واللهجة التي لا نتحدث بها قد تندثر، والحكاية التي لا نرويها قد تصبح مجرد ذكرى.
لهذا، فإن حفظ الهوية لا يبدأ من الكتب وحدها، بل من البيت.. من كلمة، وحكاية، ولهجة، وعادة نعيشها أمام أطفالنا، حتى يحملوها إلى المستقبل دون أن يفقدوا أصالتها.



