Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

المرأة في المسجد النبوي… شريكٌ في صناعة الأثر

د.منى يوسف الغامدي

د.منى يوسف الغامدي

لم يعد تمكين المرأة في المملكة العربية السعودية شعارًا يُرفع، بل واقعًا يُقاس بالأرقام، وتُثبت نتائجه مؤشرات الأداء. وما شهدناه في الحفل الختامي لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، الذي رعاه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان أمير منطقة المدينة المنورة، بحضور معالي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، لم يكن مجرد استعراض لمنجزات موسم الحج، بل كان شاهدًا على مرحلة جديدة تتصدر فيها المرأة السعودية مواقع التأثير في خدمة ضيوف الرحمن.

وأثناء اطلاعي على التقرير الختامي للخطة التشغيلية، استوقفتني صفحات وكالة الشؤون النسائية؛ لأنها لم تتحدث عن مشاركة رمزية، وإنما عرضت نموذجًا متكاملًا للعمل المؤسسي النسائي، مدعومًا بالأرقام، ومبنيًا على التخطيط، ومرتبطًا بمؤشرات الأداء.

لقد حققت الوكالة 95.1% نسبة إنجاز إجمالية، ونفذت 16 مبادرة نوعية، استفادت منها أكثر من 239 ألف زائرة للمسجد النبوي، من خلال أكثر من 2000 لقاء تعليمي، ونشر 314 مادة معرفية، وتوزيع ما يزيد على 12 ألف مادة توعوية وإرشادية.

هذه الأرقام لا تمثل حجم النشاط فحسب، وإنما تعكس تحولًا في فلسفة العمل النسائي داخل المسجد النبوي؛ إذ أصبحت المرأة تقدم رسالة علمية وتوعوية وإثرائية، مستخدمة أحدث الوسائل الرقمية، ومتحدثة بلغات متعددة، ومستثمرة التقنيات الحديثة للوصول إلى الزائرات من مختلف الجنسيات.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو طبيعة المبادرات نفسها؛ فهي لم تكن مبادرات تقليدية، بل برامج ذات أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس. فمن خلال مبادرة “يسر واطمئنان” جرى توظيف الخدمات الرقمية عبر رموز الاستجابة السريعة (QR)، لتوفير المتون العلمية والاستطلاعات والخدمات الإلكترونية، بما يجعل الوصول إلى المعرفة الشرعية أكثر سهولة ويسرًا.

وفي مبادرة “لغة بلا حدود”، التي حققت نسبة إنجاز كاملة، قدمت خدمات الترجمة والكتيبات بلغات متعددة، تأكيدًا لعالمية رسالة المسجد النبوي، وقدرته على مخاطبة المسلمين باختلاف لغاتهم وثقافاتهم.

أما مبادرة “كوني مسلمة واعية” فقد تجاوزت مستهدفها بنسبة 138.7%، وهو رقم يعكس الإقبال الكبير على المحاضرات والدروس العلمية الموجهة للمرأة، ويؤكد أن الوعي الشرعي اليوم لم يعد يقتصر على تلقي المعلومة، بل أصبح مشروعًا لبناء الشخصية المسلمة الواعية.

كما تجاوزت مبادرة “تلاوة وطمأنينة” مستهدفاتها، وأسهمت في تعليم القرآن الكريم وتصحيح التلاوة، بينما عززت مبادرات مثل “حج آمن” و“هدايات من آيات الحج” الأمن الفكري والوعي بأحكام النسك، ورسخت قيم الوسطية والاعتدال التي تمثل منهج المملكة في خدمة الإسلام.

إن هذه المبادرات مجتمعة تكشف أن المرأة السعودية داخل المسجد النبوي لم تعد تؤدي دورًا تنفيذيًا فحسب، بل أصبحت شريكًا في صناعة المحتوى الديني، ونشر المعرفة، وتعزيز الأمن الفكري، وتقديم الخدمات الإرشادية، والمساهمة في تحسين تجربة الزائرات وفق أعلى المعايير المهنية.

وقد جاء هذا النجاح ثمرة رؤية قيادية آمنت بأن الاستثمار في الكفاءات النسائية هو استثمار في جودة الخدمة، وأن تمكين المرأة في الحرمين الشريفين هو جزء من مشروع وطني متكامل تقوده المملكة في إطار رؤية 2030، التي جعلت الإنسان محور التنمية، والكفاءة معيار التمكين.

ولعل أجمل ما في التقرير أنه لم يتحدث عن المرأة بوصفها مستفيدة من التمكين، بل بوصفها صانعةً للإنجاز؛ فالأرقام تشهد، والمبادرات تتحدث، والأثر الملموس في ساحات المسجد النبوي يؤكد أن المرأة السعودية أصبحت شريكًا فاعلًا في أداء رسالة الحرمين الشريفين، تجمع بين العلم، والرحمة، والكفاءة، والاحتراف.

وهكذا، فإن التكريم الذي شهده الحفل لم يكن تكريمًا للأفراد وحدهم، بل تكريمًا لمنظومة وطنية آمنت بأن خدمة ضيوف الرحمن مسؤولية يتكامل فيها الرجال والنساء، وأن النجاح الحقيقي هو الذي يُقاس بما يتركه من أثر في قلوب الملايين، وبما يرسخه من صورة مشرقة للمملكة، بوصفها رائدة في خدمة الحرمين الشريفين، وقائدة لمسيرة التطوير والتمكين والتميز المؤسسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى