الركلسة المستدامة

وفاء أحمد
كل زمن يبتكر مرضه الاجتماعي ويبدو أن زمننا ابتلي بالركلسة حتى أصبح الاستهتار أسلوب حياة والعبث موهبة والحماقة علامة تميز
ولأن لكل ظاهرة تعريفا فللركلسة تعريف يستحق أن يدرج في كتب الطرائف
(الركلسة: شخصية مستهترة تتصرف باندفاع وعبث وتتفاخر بمخالفة المألوف وتظن أن الغرابة كاريزما واللامبالاة قوة)
الركلسة لا تحتاج إلى ذكاء ولا إلى ثقافة ولا حتى إلى سبب. يكفي أن يقرر الإنسان إجازة مفتوحة لعقله ثم يخرج إلى الناس واثقا من نفسه أكثر من العلماء وهم يناقشون اكتشافا جديدا.
وصاحب الركلسة لا يرى نفسه مستهترا أبدا بل يرى أنه مختلف. يعتقد أن مخالفة الذوق استقلال وأن قلة المبالاة قوة وأن كل تصرف يثير الاستغراب دليل على أنه سبق عصره بينما الحقيقة أنه تأخر عن أبسط قواعد الاتزان.
المضحك أن الركلسة تمنح صاحبها شعورا بالعظمة يتناسب عكسيا مع حجم المنطق الذي يحمله. فكلما خف العقل ثقل الغرور حتى يخيل إليه أن العالم كله يراقبه بينما العالم في الحقيقة يحاول فقط أن يفهم ماذا حدث.
ومن عجائب الركلسة أنها تجعل الاعتذار ضعفا والمراجعة هزيمة والتعقل مملا. لذلك إذا أخطأ صاحبها لم يصحح خطأه بل يضيف إليه خطأ آخر حتى يبدو وكأنه كان يقصده منذ البداية.
الركلسة تشبه بالونا يظن أن الهواء الذي بداخله قيمة بينما هو في الحقيقة سبب انفجاره. وتتشابه أيضا مع علبة فارغة كلما ازداد فراغها ارتفع صوتها.
وفي النهاية لا أحد يتذكر الإنسان لأنه كان أكثرهم استهتارا بل لأنه كان أكثرهم اتزانا. فالضجيج يعيش يوما أما الاحترام فيعيش عمرا…



