ثرثرة مع ظل متهالك
الراسية الطويرقي
على جدار غرفتي البارد ،يتمدد ظل متهالك ،لم يتبق منه سوى خطوط رمادية باهتة، تشبه تجاعيد الزمن على وجه عجوز طال به الانتظار .
في تلك الزاوية المنسية من الليل ،
حيث السكون يطبق على أنفاس المكان، وجدتني أنظر إليه ولم يكن بيننا سوى صمت مشحون بأسئلة مؤجلة .
التفت إليه قائلة :
ما لك تبدو هكذا متآكلا ،باهتا ،كأنك لا تقوى حتى على مجاراتي في خطاي ؟
لم يتحرك الظل ،لكن صوته انبعث من عمق العتمة ،هامسا كحفيف أوراق خريفية جافة:
وكيف لا أتهالك ،وأنا أجر خلفي كل تفاصيلك ؟
أنا لست مجرد انعكاس لجسدك الفاني ،أنا مرآة لروحك المخفية .
أتنفس خيباتك ،وأتعثر في عتمة حيرتك ،وأحمل معك ثقل الأيام التي مرت ،دون أن تترك أثرا سوى هذه الندوب.
صمت للحظة ..
شعرت برعشة خفيفة تسري في أوصالي ،كان صادقا بجرأة توجع القلب .اقتربت من الجدار خطوة فاقترب مني بذات الوهن ،وتابع بصوت يملأه الشجن:
أنت تهربين من الضجيج، وتظنين أنك وحيدة ،بينما أنا أقف هنا ،أشهد على معاركك الصامتة ،وعلى أحلامك التي تساقطت كأوراق الورد في مهب الريح.
أنا الجزء الذي لا يستطيع النفاق ؛يمحوني النور الزائف وتكشفني عتمة الحقيقة.
نظرت إلى يدي ،وحركت أصابعي في الهواء ،فرأيت أصابعه الرمادية تحاكي حركتي ببطء شديد، كأنه يودعني .
تنهدت وقلت له:
إذن ،نحن شريكان في هذا النزف الصامت ،لكنك على الأقل ،تتلاشى حين ينبلج الضياء ،أما أنا فمجبرة على السير بوجه مبتسم ،أحمل ظلي الداخلي وأمضي.
ابتسم الظل بتهكم رمادي ،وانحنى قليلا مع خفوت ضوء الشمعة الأخير ،كأنه يستعد للرحيل في غيابة العتمة، تاركا خلفه صدى حكاية لم تكتمل ،وثرثرة لن تنتهي، إلا لتبدأ من جديد مع أول خيط ضوء يلوح في الأفق .




