حين يُرهقنا الضوء… الثقة المفرطة ولطفٌ يستهلك القلب

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي
…
نظن أن الطيبة طريق مختصر للحب،
وأن الثقة جسرٌ آمن نحو القلوب،
وأن العطاء بلا حدود هو ما يجعلنا أجمل في عيون الآخرين.
نُربي أنفسنا على أن نكون “أشخاصًا جيدين”…
نلين في كل موقف،
نصدق بسرعة،
نغفر قبل أن يُطلب منا،
ونحب باندفاع كأننا نعوّض شيئًا في الداخل.
لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا:
ليس كل نورٍ يُريح… بعضه يحرق.
الثقة المفرطة ليست نقاءً دائمًا…
أحيانًا تكون غفلة مغطاة بحسن النية.
أن تعطي ثقتك بسهولة،
يعني أنك تسلّم مفاتيحك لمن لم يُثبت أنه يستحق الدخول.
ومع كل خيبة، لا تخسر الآخر فقط…
بل تخسر جزءًا من يقينك بنفسك.
واللطف حين يتجاوز حدوده…
يتحول من فضيلة إلى استنزاف.
أن تكون لطيفًا دائمًا،
متفهمًا دائمًا،
متسامحًا دائمًا…
هذا لا يجعلك قويًا كما تعتقد،
بل قد يجعلك متاحًا بشكل مؤلم.
يعتاد الناس على عطائك،
لا لأنهم سيئون دائمًا…
بل لأنك لم تضع حدًا يومًا.
أما الحب…
حين يأتي بلا وعي،
بلا توازن،
بلا كرامة…
فهو لا يُشبه ذلك الشعور النقي الذي نحلم به.
الحب المفرط قد يتحول إلى تعلق،
والتعلق إلى خوف،
والخوف إلى تنازلات صغيرة…
ثم أكبر…
حتى تجد نفسك في علاقة لا تشبهك،
فقط لأنك أحببت “بزيادة”.
المشكلة ليست في الطيبة…
ولا في الثقة…
ولا في الحب…
المشكلة في “الإفراط”.
في أن تعطي قبل أن تُسأل:
هل هذا الشخص يستحق؟
في أن تبقى بينما كل الإشارات تقول: كفى.
في أن تصدق لأنك تريد أن تصدق،
لا لأن الحقيقة واضحة.
الحياة لا تُدار بالعاطفة وحدها…
ولا تُبنى العلاقات بالنية الطيبة فقط…
هناك شيء آخر مهم جدًا:
الحدود.
أن تعرف متى تتوقف،
متى تقول “لا”،
متى تحب دون أن تذوب،
ومتى تثق دون أن تُغلق عينيك.
النضج الحقيقي…
ليس أن تكون طيبًا دائمًا،
بل أن تكون واعيًا بطيبتك.
أن تختار من يستحقها…
لا أن تمنحها للجميع.
في النهاية…
لا أحد يطلب منك أن تقسو،
ولا أن تتغير إلى نسخة باردة لا تشبهك.
لكن… تعلّم أن تكون لطيفًا مع نفسك أولًا.
أن تحفظ قلبك كما تحفظ الآخرين.
أن تُبقي جزءًا منك… لك.
لأن أجمل ما فيك،
قد يكون أكثر ما يُؤذيك…
إن لم تعرف كيف تحميه.




