الشيخ ذياب حسن مقنص رحمه الله … سيرة رجلٍ صنعته الحياة وترك فيها أثرًا لا يُنسى

في زوايا الذاكرة، حيث تسكن الحكايات الصادقة التي لا تُروى إلا بدمعٍ خفيف وابتسامةٍ ممتدة، تبدأ قصة والدي ذياب…
رجلٌ لم يكن عاديًا، رغم بساطة حياته، بل كان من أولئك الذين يصنعون من القليل معنى، ومن التعب مجدًا، ومن الصمت حكاية.
وُلد عام 1933، وبدأ رحلته من نقطةٍ لم تكن سهلة؛ يتيم الأم، في زمنٍ كانت فيه الحياة أقسى، والفرص أقل، والاعتماد على النفس ضرورة لا خيار. لم ينل من التعليم إلا القليل، لا لأن أبوابه أُغلقت في وجهه، بل لأن الحياة نادته مبكرًا ليكون في ميادين العمل، إلى جوار والده حسن، حيث تبدأ الرجولة قبل أوانها.
حين يكون الكفاح أسلوب حياة
كبر ذياب وهو يحمل على كتفيه مسؤوليات تفوق سنّه، فكان فلاحًا يزرع الأرض بيديه، ويتعامل مع قسوتها بصبرٍ يشبه صمت الجبال. لم يكن مجرد عاملٍ في الأرض، بل كان جزءًا منها… يعرفها وتعرفه.
وفي تلك البيئة، لم يكن التعب صامتًا، بل كان له صوته الخاص. فقد كان يجيد فن “الكسرات”، ذلك الفن الشعبي الذي ينسج بالكلمات مشاعر الفلاحين وهمومهم، فيحوّل التعب إلى شعر، والكدح إلى نغمة، والحياة إلى قصة تُروى.
رحلة البحث عن الفرص
لم يعرف الكسل طريقًا إليه، ولم ينتظر أن تأتيه الفرص، بل خرج يبحث عنها. شدّ الرحال مع أخيه غانم إلى دولة الكويت، في زمنٍ كانت فيه الهجرة مغامرة، والعمل كرامة، والطريق مليئًا بالتحديات.
هناك تعلّم القيادة، وكانت مهارة في ذلك الوقت تعني بابًا جديدًا للحياة، وفرصةً لصناعة مستقبلٍ مختلف.
المدينة… حيث بدأ فصل العطاء
عاد إلى المدينة المنورة، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، مرحلة امتزج فيها العمل بالرسالة. عمل في “العين الزرقاء”، يسقي الناس، وكأن الماء الذي يوزّعه لم يكن فقط لإرواء العطش، بل كان رمزًا لعطائه الدائم.
ثم امتلك سيارة أجرة، وعمل على خط المدينة – الشام، يقطع المسافات الطويلة، لا يحمل الركاب فقط، بل يحمل معهم أحلامه البسيطة، وسعيه الدائم لتأمين حياة كريمة لأسرته.
أسرته … كانت قلبه الحقيقي
تزوج من ابنة أحمد ريو رحمه الله، وأنجب خمسة بنات منى رحمها الله ومنال ومي ومرفت وعلياء وابنًا واحدًا محمد ، وكان لهم الأب الحنون، والسند الذي لا يميل.
لم يكن مجرد معيل، بل كان مدرسة في الحياة:
يعلم بصمت، ويعطي دون حساب، ويحب دون شروط.
كان كريمًا بطبعه، بسيطًا في عيشه، عظيمًا في أثره.
شجاعة القرار… وقسوة المرض
في عام 1980 تقريبًا، قرر أن يخوض تجربة العمل الحر، فأسس مؤسسة مقاولات، في خطوة تعكس طموحه، وإيمانه بقدرته على البناء… ليس فقط في الأرض، بل في مستقبله.
لكن الحياة، كعادتها، لا تسير دائمًا كما نريد.
أصيب بمرض السكر، الذي أنهكه، وأجبره في نهاية المطاف على بيع مؤسسته. كانت مرحلة قاسية، خصوصًا في زمنٍ لم تكن فيه الحياة سهلة، ولا الدعم متوفرًا.
ومع ذلك… لم ينكسر.
بقي كما هو: ثابتًا، كريمًا، محبًا للحياة.
روح تحب الحياة… قبل أن تودّعها
كان والدي منفتحًا على العالم، عاشقًا للسفر، فزار دولًا عدة: المغرب، مصر، تركيا، تايلند، سوريا، والأردن. لم يكن السفر عنده ترفًا، بل شغفًا واكتشافًا.
وكان سابقًا لعصره في بعض تفاصيل حياته؛ فقد امتلك أول جهاز تلفاز، وأول جهاز فيديو في محيطه، ليكون منزله نافذة يطل منها الآخرون على العالم.
بيت… لم يكن مجرد بيت
كان منزل والدي أكثر من جدران وسقف…
كان مكانًا يجتمع فيه الناس، تلتقي فيه القلوب، وتُصنع فيه الذكريات.
فيه كانت المناسبات تُحيى، والضحكات تُسمع، والألفة تُزرع دون تكلف.
كان بيتًا دافئًا… يشبه صاحبه.
الرحيل… وبقاء الأثر
وفي عام 1998، وبعد رحلة طويلة من الكفاح والعمل والعطاء، وافته المنية إثر مرضٍ أصاب رئتيه.
رحل الجسد… لكن بقي الأثر.
بقيت سيرة رجلٍ لم يطلب الكثير من الحياة، لكنه أعطى فيها الكثير.
ختامًا…
رحم الله والدي ذياب رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لأبنائه ومن عرفه.
كان مدرسة في الصبر،
وعنوانًا للكرم،
وصورةً ناصعة لرجلٍ عاش بسيطًا… لكنه ترك أثرًا عظيمًا.
بعض الرجال… لا تُقاس حياتهم بما امتلكوا،
بل بما تركوه في قلوب الآخرين
المصدر: ابنه الأستاذ / محمد بن ذياب مقنص





