بتمويل 20 مليون دولار.. مستشفى ماكلين الأمريكي يؤسس مركزًا للطب النفسي الأيضي ويطلق شبكة بحثية عالمية

إسراء الحرف – صحة وطب
أعلن مستشفى ماكلين الأمريكي (McLean Hospital)، التابع لمنظومة «ماس جنرال بريغهام» الصحية، عن تأسيس مركز متخصص في الطب النفسي الأيضي، بدعم من منحة مالية تبلغ 20 مليون دولار أمريكي، مقدمة من مجموعة «بازوكي» (Baszucki Group)، بالتزامن مع إطلاق شبكة عالمية تجمع الباحثين والأطباء المتخصصين في دراسة العلاقة بين عمليات الأيض والصحة النفسية.
ويهدف المشروع، الذي أُعلن عنه الأربعاء 21 أكتوبر 2026، إلى تطوير الرعاية السريرية والبحوث العلمية وبرامج التعليم والتدريب الطبي، بما يسهم في توسيع المعرفة بشأن تأثير عمليات التمثيل الغذائي في وظائف الدماغ والاضطرابات النفسية، واستكشاف إمكان الاستفادة من التدخلات الأيضية في تحسين نتائج العلاج.
وتشمل المنحة إنشاء «مركز ماكلين للطب النفسي الأيضي»، إلى جانب دعم مبادرات تعليمية وتدريبية مشتركة بين المستشفى ومؤسسة MH² المتخصصة في الرعاية والتدريب والتعليم الطبي.
ما الطب النفسي الأيضي؟
يُعد الطب النفسي الأيضي أحد المجالات الطبية الناشئة التي تدرس العلاقة بين عمليات التمثيل الغذائي في الجسم ووظائف الدماغ والصحة النفسية، وتسعى إلى فهم الدور المحتمل للاضطرابات الأيضية في ظهور بعض الأعراض النفسية أو استمرارها.
ويركز الباحثون في هذا المجال على دراسة تدخلات قد تؤثر في عمليات إنتاج الطاقة واستخدامها داخل الجسم، ومن بينها العلاج الغذائي الكيتوني، الذي يجري تقييم إمكاناته في تحسين بعض الأعراض المصاحبة لاضطرابات نفسية شديدة، تشمل الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب والفصام.
ورغم أن بعض التدخلات الأيضية، ومنها النظام الغذائي الكيتوني، استُخدمت طبيًا منذ سنوات طويلة في التعامل مع حالات عصبية مثل الصرع، فإن تطبيقها في علاج الاضطرابات النفسية لا يزال مجالًا بحثيًا يحتاج إلى مزيد من التجارب السريرية لتحديد مدى فعاليته وسلامته على المدى الطويل.
مركز يجمع الرعاية السريرية والبحث العلمي
ومن المقرر أن يعمل مركز ماكلين الجديد بوصفه أحد المراكز الرئيسية للشبكة العالمية للطب النفسي الأيضي، من خلال الجمع بين تقديم الرعاية للمرضى وإجراء الدراسات العلمية وتطوير البرامج التعليمية المتخصصة.
وسيتولى إدارة المركز الدكتور دوست أونغور (Dost Öngür)، رئيس قسم الاضطرابات الذهانية في مستشفى ماكلين والأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد، حيث سيشرف على أنشطة الرعاية السريرية والبحث والتعليم.
وأوضح أونغور، في البيان الرسمي للمستشفى، أن الفريق متعدد التخصصات يسعى إلى توسيع خدمات الرعاية النفسية من خلال تقديم خدمة تركز على العلاج الكيتوني داخل مؤسسة طبية قائمة، مع تطوير نموذج متكامل يمكن أن تستفيد منه مراكز طبية وأكاديمية أخرى.
ويقع مستشفى ماكلين في مدينة بلمونت بولاية ماساتشوستس الأمريكية، ويُعد أحد المستشفيات التعليمية المرتبطة بكلية الطب في جامعة هارفارد.
إطلاق شبكة عالمية للطب النفسي الأيضي
وبالتزامن مع الإعلان عن المركز، أُطلقت الشبكة العالمية للنهوض بالطب النفسي الأيضي، المعروفة اختصارًا باسم (MetPsy)، بهدف تعزيز التعاون بين الأطباء والباحثين والمؤسسات العلمية العاملة في هذا المجال.
وتسعى الشبكة إلى توفير منصة مشتركة لتبادل الخبرات والموارد العلمية، وإتاحة دورات تعليمية معتمدة، وتطوير أدوات تساعد المختصين على الاستفادة من نتائج الأبحاث في الممارسات السريرية القائمة على الأدلة.
وأكد المدير التنفيذي للشبكة، الدكتور كيرك نايلن (Kirk Nylen)، أن المبادرة تهدف إلى بناء روابط علمية بين التخصصات الطبية والبحثية، بما يدعم تطوير المعرفة المتعلقة بالطب النفسي الأيضي وتحويل النتائج البحثية إلى تطبيقات يمكن تقييمها في الرعاية الصحية.
وتحظى الشبكة بدعم تأسيسي من مجموعة «بازوكي»، مع توجه لتوسيع مشاركة المؤسسات والجهات البحثية المهتمة بهذا التخصص على المستوى الدولي.
برامج تعليمية وتدريبية للأطباء
ويمثل التعليم الطبي أحد المحاور الرئيسية للمشروع، إذ سيعمل مستشفى ماكلين بالتعاون مع مؤسسة MH² على تطوير برامج تدريبية متخصصة في الطب النفسي الأيضي.
وسيشارك الدكتور كريستوفر بالمر (Christopher Palmer)، مؤسس ورئيس مؤسسة MH² ومدير برنامج الصحة الأيضية والنفسية في مستشفى ماكلين، في قيادة المبادرات التعليمية والتدريبية المرتبطة بالمركز.
وتهدف هذه البرامج إلى دعم إعداد الكوادر الطبية، وتطوير المعرفة السريرية بشأن التدخلات الأيضية، والمساهمة في وضع أسس علمية وبروتوكولات تدريبية تساعد على تقييم هذه الأساليب بصورة منهجية.
ويأتي هذا التوجه في ظل تزايد الاهتمام البحثي بالعلاقة بين التغذية والصحة الأيضية والاضطرابات النفسية، مع الحاجة إلى تأهيل المختصين للتعامل مع هذا المجال وفق معايير طبية واضحة.
العلاج الكيتوني تحت الدراسة
ويُعد العلاج الغذائي الكيتوني من أبرز التدخلات التي يعتزم المركز دراستها، نظرًا إلى تأثيره في طريقة استخدام الجسم للطاقة، إذ يعتمد على خفض استهلاك الكربوهيدرات بدرجة كبيرة، بما يدفع الجسم إلى إنتاج مركبات الكيتون واستخدامها مصدرًا للطاقة.
وتبحث الدراسات في إمكان ارتباط هذه التغيرات الأيضية بتحسن بعض الأعراض النفسية لدى فئات محددة من المرضى، إلا أن النتائج المتاحة لا تسمح باعتبار النظام الكيتوني علاجًا مؤكدًا لجميع الاضطرابات النفسية.
كما أن الاستجابة لهذه التدخلات قد تختلف من مريض إلى آخر، وتحتاج بعض الأنظمة الغذائية المقيدة إلى متابعة طبية وغذائية دقيقة، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو يتناولون أدوية متعددة.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور كريستوفر بالمر، في تصريحات نقلتها إذاعة WBUR الأمريكية، أن العلاج الكيتوني لا يحقق النتائج نفسها لدى جميع المرضى، وأنه يُنظر إليه بوصفه تدخلًا مكملًا للرعاية النفسية المعتمدة، وليس بديلًا تلقائيًا للأدوية أو العلاج النفسي.
دراسة تدخلات أيضية أخرى
ولا تقتصر الأبحاث المرتقبة على النظام الغذائي الكيتوني، إذ نقلت إذاعة WBUR عن إدارة المركز أن الباحثين يعتزمون دراسة تدخلات أخرى، من بينها بعض الأدوية المرتبطة بتنظيم عمليات الأيض، مثل أدوية مستقبلات GLP-1.
ويهدف هذا التوسع البحثي إلى فهم العلاقة بين الصحة الأيضية والوظائف العصبية والنفسية بصورة أعمق، وتقييم التدخلات التي قد تكون مناسبة لفئات مختلفة من المرضى.
وتؤكد هذه التوجهات أن المشروع لا يستند إلى افتراض وجود علاج واحد لجميع الاضطرابات النفسية، بل يسعى إلى بناء قاعدة علمية تساعد على تحديد التدخلات الأكثر ملاءمة وفاعلية وأمانًا.
خطوة بحثية نحو تطوير الرعاية النفسية
ويمثل إنشاء المركز وإطلاق الشبكة العالمية استثمارًا جديدًا في أحد المجالات الناشئة في الطب النفسي، مع التركيز على الجمع بين الرعاية السريرية والتعليم والبحث العلمي ضمن منظومة واحدة.
ومن المنتظر أن تساعد الدراسات التي سيجريها المركز على توفير أدلة أكثر وضوحًا بشأن دور عمليات الأيض في الصحة النفسية، وإمكان إدماج بعض التدخلات الأيضية ضمن خطط العلاج مستقبلًا، إذا أثبتت التجارب السريرية فعاليتها وسلامتها.
ولم يتضمن الإعلان الرسمي موعدًا محددًا لافتتاح المركز، فيما أكد القائمون على المبادرة أن الهدف يتمثل في توسيع نطاق البحث والرعاية المتخصصة، وتعزيز التعاون العلمي بين المؤسسات المعنية بالصحة النفسية.
ويظل التقدم في هذا المجال مرتبطًا بنتائج الدراسات السريرية والتقييمات الطبية المعتمدة، دون أن يعني إطلاق المركز التوصل إلى علاج نهائي للاكتئاب أو الفصام أو الاضطراب ثنائي القطب.
المصادر: البيان الرسمي لمستشفى ماكلين ومنظومة ماس جنرال بريغهام، وإعلان مجموعة بازوكي، وتقرير إذاعة WBUR الأمريكية، الصادرة في 21 أكتوبر 2026.



