
عبهر نادي
في العتمة، كانت تعرف أكثر مما ينبغي.
تمدّ يدها إلى الطاولة، فتلتقط الشيء الذي لم يلمسه أحد.
تتوقف فجأة عند عتبة الباب، كأن أحدًا همس لها بأن خلفه شيئًا لا يُرى.
تبتسم لشخصٍ ظنّ أنها لا تعرف أنه يكذب.
كانت عمياء.
ومع ذلك.. لم تكن أكثرهم غفلة.
ذات مرة، قالت جملة بدت في ظاهرها عابرة:
(أنا لا أرى… ولكن لست عمياء)
توقفتُ عندها طويلًا.
ليس لأن امرأة فاقدة للبصر قالتها، بل لأنني شعرت أن العبارة لم تكن تتحدث عن العين أصلًا.
فكم من مبصرٍ تجري الأشياء أمام عينيه ولا يراها؟
وكم من أعمى يرى في نبرة الصوت ما تعجز عنه عينان سليمتان؟
ربما لا يكون العمى دائمًا عجزًا عن الرؤية…
قد يكون العمى الحقيقي أن ترى، ثم تُخطئ في تأويل ما رأيت.
فهناك أشياء لا تحتاج إلى عينٍ لتُبصرها، يكفي أن يختلّ في داخلك شيء صغير حتى يصبح الصمت إشارة، والنبرة قرينة، والالتفاتة اعترافًا مؤجلًا.
ليس غايتي أن أقارن بين العمى والبصر، بل عن شيء أكثر التباسًا:
عن الأشياء التي نراها… ثم نختار ألا نراها.
ربما مشكلتنا ليست في أننا لا نرى، بل في أننا أفرطنا في الرؤية.
أن نفكّك النبرة، ونستجلي المقصد، ونستقرئ الالتفاتة، ونستخرج من الصمت ما نظن أنه اعترافٌ مستتر.
نُرهق حدسنا في مواقف كان يكفيها أن تمرّ.
حتى أصبح الوضوح عندنا نوعًا من التملّك؛ كأننا لا نطمئن حتى نضع لكل تصرّف تفسيرًا، ولكل صمت تأويلًا، ولكل مسافة سببًا.
لكن! هل نحن فعلًا نريد أن نرى؟
أم أن بعض ما نسميه وضوحًا ليس إلا رغبة في امتلاك تفسير لكل شيء؟
ثمّة فرق بين الفراسة والاسترسال في الظن، وبين البصيرة وافتعال المعنى.
تلتقط الروح إشارةً عابرة، ثم يبني العقل حولها حكاية كاملة.
وقد نستشفّ ما وراء الكلمات، لكن الاستشفاف ليس دائمًا يقينًا، كما أن الصمت ليس بالضرورة إقرارًا، وما نقرأه في الوجوه قد يكون أحيانًا انعكاسًا لما يسكننا نحن.
وربما كانت الحكمة أحيانًا في أن نُبقي بعض الأبواب مواربة؛ لا لأننا عاجزون عن فتحها، بل لأننا نعرف أن خلفها ما لا يستحق أن يدخل حيّز وعينا.
(أن نُغضي، لا أن نُغمض)
فالإغضاء ليس عمى، والتغافل ليس غفلة.
إنه نوع من الاقتدار الداخلي.. أن نملك القدرة على الكشف، ثم نختار ألا نستعملها في كل مرة.
أن نعرف ولا نستعرض معرفتنا.
أن نترك للآخر بعض المساحة التي لم يَطلب منك أحد أن تملأها بتأويلاتك.
لسنا مطالبين بأن نرى كل شيء.
يكفي أن نمتلك البصيرة التي تعرف متى تستبصر، ومتى تُغضي، ومتى تترك الحقيقة في مكانها دون أن تستدعيها إلى حياتك.
فربما لم تكن المشكلة يومًا في العين التي لا ترى…
بل في العين التي لا تعرف متى تُغمضها.
أنا لا أرى… ولكن لست عمياء.



