حين تختبىء الأنوثة خلف قناع الإسترجال القسري

رنا الجديبي
قد تكون المرأة أنثى في المرآة، لكنها تبدو مختلفة في أسلوبها بمجرد أن تتكلم.
قد تراها كاملة التفاصيل: ملامح ناعمة، أناقة لافتة، عطر فاخر، واهتمام واضح بالمظهر. لكن ما إن تبدأ الحديث حتى تتغير الصورة: صوت حاد، ضحكة مرتفعة، ونبرة يغلب عليها التحدي والمواجهة.
فتقف أمام مفارقة مربكة:
أنوثة مكتملة في الشكل، وطباع خشنة في السلوك.
ليست المشكلة في الحزم أو الاستقلال، فهذه ليست عيوبًا بحد ذاتها. لكن الصلابة قد تتحول لدى بعض الحالات إلى هوية ثابتة، والدفاع إلى رد فعل دائم. وهنا يبرز السؤال:
هل نحن أمام أسلوب سلوكي تغيّر، أم أمام إنسانة اضطرت إلى ارتداء شخصية المحارب حتى نسيت كيف تخلعها؟
هل يمكن أن تكون للعولمة يدٌ في ذلك؟
قد تكون العولمة وسرعة التغير الاجتماعي أسهمتا في إعادة تشكيل بعض تفاصيل الأنثى ، لكنهما ليستا سببًا وحيدًا. فهناك أيضًا تسارع الإيقاع اليومي، وتزايد المنافسة، وضغوط الإنجاز، والمقارنة المستمرة عبر المنصات الاجتماعية.
وقد تتلقى المرأة رسائل توحي بأنها مطالبة دائمًا بأن تكون قوية، وألا تظهر ضعفها أو تطلب المساعدة. ومع تكرار هذه الرسائل، قد تتحول القوة من مهارة تُستخدم عند الحاجة إلى حالة تأهب دائمة.
فتدخل العمل والعلاقات والحوار مستعدة للدفاع عن نفسها، وكأن عليها دائمًا أن تثبت أنها الأقوى.
وهنا لا تكمن الخسارة في القوة نفسها، بل في أن لا تعود تعرف متى تتوقف عن القتال.
تسليع المرأة واختزالها في المظهر
قد تنفق بعض النساء وقتًا طويلًا على صناعة مظهرهن، بينما لا يجدن الوقت نفسه للعناية بما يجري في الداخل. وجه مصقول، ملابس أنيقة وعطر مميز، لكن ماذا عن طريقة الحديث والدفء والمرونة
للأسف قد ينجح السوق في تسويق شكل الأنوثة، لكنه لا يستطيع اختزال معناها.
وقد تظهر لدى بعض الحالات مفارقة بين أناقة المظهر وقسوة التعامل، دون أن يعني ذلك أن المظهر دليل على السطحية، أو أن الحزم ينفي الأنوثة؛ فالسلوك الإنساني أعقد من أن يُحكم عليه من مظهر واحد.
ليست كل قوة رجولة…
المرأة ليست مطالبة بخفض صوتها كي تكون أنثى، ولا بالتنازل عن طموحها أو استقلالها. لكنها ليست بحاجة أيضًا إلى تحويل الصلابة إلى أسلوب دائم.
فليس كل سلوك صلب قوة، ولا كل صوت مرتفع هيبة، ولا كل ندية استقلالًا.
هناك فرق بين الحزم والعدوانية، وبين الاستقلال والعزلة العاطفية، وبين حماية النفس وتحويل كل من حولها إلى خصم محتمل.
وهذا السلوك الدفاعي لا يخص النساء وحدهن، فقد ينتج عن تجارب شخصية أو ضغوط اجتماعية لدى أي إنسان.
ومع الوقت، قد لا يعود الشخص يرتدي الدرع فحسب، بل قد يصبح الدرع جزءًا من شخصيته.
فاإستعادة التوازن لا تعني أن تصبح المرأة أقل طموحًا أو استقلالًا، بل أن تستعيد قدرتها على الاختيار
أن تكون قوية حين تحتاج القوة، ولينة حين يكون اللين أجمل، وأن تقول «لا» دون عدوان، و«أحتاجك» دون شعور بالهزيمة.
فالعلاقة الناضجة ليست معركة بين قوتين، بل مساحة يلتقي فيها اختلافان دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب.
فقد يخفي الصوت العالي قلبًا خائفًا، وقد تخفي القسوة احتياجًا لم يُسمح له بالظهور.
لذلك لا تبدأ استعادة التوازن من تغيير الصوت أو المظهر، بل من الوعي بالمحفزات، وقبول الدعم، والتدرّب على التعبير الواضح، وبناء علاقات آمنة.
فعندما ترتاح الأنثى من الداخل وتعيش بسلام، يفيض ذلك على شكلها الخارجي كجاذبية حقيقية ووقار لا يمكن لأي مستحضر تجميل أن يصنعه. إن استعادة الأنوثة اليوم ليست تراجعاً للوراء، بل هي خطوة شجاعة لإنقاذ روح المرأة من الفراغ النفسي والضياع.



